وبعد قليل أرسل أوتو رسلا إلى قرطبة لوصف إغارات الفراكسينت العرب من ناحية ، ورد الإهانة التي وجهها المسلمون إليه من ناحية أخرى ، وعهد أوتو في رياسة هؤلاء الرسل إلى جان دى جورتزا
azroG ed naeJ
الذي وصل إلى قرطبة سنة 345 ه ( 956 م ) الخليفة الناصر بما اشتمل عليه كتاب أوتو وتعريضه بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فأرسل إلى رئيس هؤلاء الرسل مطران قرطبة ينصنح له بالعدول عن سب الرسول ، فلم يزدد إلا عنادا ، وأخذ يوبخه على تساهل مسيحيي الأندلس مع المسلمين ، ومسايرتهم لهم في الختان والامتناع عن أكل لحم الخنزير . وصمم الخليفة الناصر على إبقاء أعضاء السفارة تسع سنوات لا ثلاث سنوات كما فعل أوتو برجال سفارته من قبل ، وأرسل إلى إمبراطور ألمانيا كتابا مع رجل مسيحي يسمى ريسمند يطلب فيه تغيير كتابه الأول .
وقد نجح هذا الرسول في مهمته ، واستبدل أوتو كتابه بكتاب آخر وصل بعد ثمانية عشر شهرا من وصول كتابه الأول ، وكوفئ هذا الرسول بتعيينه أسقفا . وهنا مثل جورتزا بين يدي الخليفة الناصر . واصطفت الجند على جانبي الطريق التي مر فيها أعضاء هذه السفارة ، ووقف الصقالبة شاكي السلاح . وفرشت ممرات قصر قرطبة بالبسط والديباج وجلس الخليفة في البهو الكبير ، فتقدم الأسقف جورتزا وقبل يده وجلس بجانبه ، وأخذ الناصر يثنى على الإمبراطور أوتو وعلى سعة عقله وكفايته ، لكنه تعرض لإحدى نقائص الحكم في دولته لاعترافه بنفوذ حكامه الإقطاعيين ومشاركتهم إياه في حكم البلاد مما يثير في نفوسهم الغرور والميل لشق عصا طاعته « 1 » .
وعلى الرغم من عدم تصدى المؤرخين لما كان لهذه السفارة من أثر ، لا يمنعنا ذلك من القول بأن بلاط الناصر كان محطا لسفراء الدول ، كسفارة أوتو ملك الصقالبة في سنة 945 م ( 334 ه ) « 2 » ، وسفراء حكام فرنسا « 3 » . كما دخل عبد الرحمن الناصر في حلف مع ملك إيطاليا الذي آلمه تخريب الفاطميين لمدينة جنوة ، كما حالف البيزنطيين الذين تطلعوا إلى انتزاع جزيرة صقلية من الخليفة القائم الفاطمي « 4 » .
هامش
( 1 ). 924 . p , niapS ni smelsoM ehT , yzoD( 2 ) ابن عذارى : البيان المغرب ج 2 ص 234 .
( 3 ) ابن خلدون : العبر ج 4 ص 134 .
( 4 )434 . p , . tiC . po . yzoD