ولم يقف نشاط العرب عند هذا الحد ، بل اجتازوا جبال الألب الشمالية ودخلوا سويسرا ، وامتد نفوذهم من شواطئ بجيرة كنستانس شمالا إلى جنوة ومرسليا ونيس جنوبا ، وعملوا على نشر الإسلام في هذه الجهات ، حتى إننا لا نزال نرى اسم الحي العربي
snizaraS ed notnaC
في أحد أحياء مدينة نيس .
على أن نفوذ هؤلاء العرب لم يلبث أن أخذ في الضعف حول منتصف القرن الرابع الهجري ، بعد أن دانت هذه البلاد لسلطانهم زهاء سبعين سنة . وكان أهم هذه الحصون الحصن المسمى
mutanixarF
بقرية جارد فرينيه
teniarF - draG
التي تقع الآن في سفح الجبل من الناحية الشرقية بمقاطقة بروفانس جنوبي فرنسا . ويسمى الإصخرى هذا الموقع جبل القلال . وقد وصفه في هذه العبارة فقال : « وأما جبل الفلال فإنه كان جبلا خرابا وفيه ماء وأرض ، فوقع إليه قوم من المسلمين فعمروه وثاروا في وجوه الإفرنجة لا يقدر عليهم لامتناع مواضعهم ، ومقداره في الطول يومان » « 1 » .
وقد عمل ملك بروفانس على طرد عرب الفراكسينت من بلاده ، فاستعان بأوتو الأكبر ( 936 - 973 م ) ، إمبراطور ألمانيا الذي أصبح في سنة 962 م إمبراطورا للدولة الرومانية المقدسة ، على الحد من نفوذ عرب مملكة الفراكسينت بإمبراطور الدولة البيزنطية الذي أمده بأسطول ، وكاد يقضى على نفوذ العرب في بلاده ، لولا أن ثار عليه أحد خصومه في إيطاليا ، وخشي أن يصل إليه عدوه عن طريق ممار الألب التي كانت في حوزة العرب . ولذلك هادن العرب على أن يسدوا هذه الممار في وجه عدوه .
واعتقد أوتو الأكبر أن عبد الرحمن الناصر الأموي بالأندلس كان يساعد العرب في نشر فتوحهم ؛ فأرسل إليه سفارة للعمل على وقف إغارات هؤلاء العرب . ويقول بعض المؤرخين إن عبد الرحمن كان قد أرسل إلى أوتو سفراء لإنشاء علاقات سياسية بين الدولتين ، وإنه أرسل إليه كثيرا من الهدايا . وكانت هذه السفارة برياسة أحد الأساقفة المستعربين في الأندلس ، وكان هذا الكتاب الذي دون باللغة العربية يحتوى على بعض عبارات فيها نقاش حول التثليث . ولكن المنية وافت هذا الأسقف وهو في طريقه إلى أوتو . وقد قيل إن أوتو اعتبر العبارات التي تدور حول فكرة التثليث إهانة لدينه ، فأهان هؤلاء المبعوثين وأساء معاملتهم وأبقاهم ببلاده ثلاث سنين .
هامش
( 1 ) انظر شكيب أرسلان : تاريخ غزوات العرب ص 164 - 165 ، 166 - 170 .