وقد اهتم عبد الرحمن الناصر باستقبال هذا الوفد اسقبالا عظيما . وكان يرمى من وراء ذلك إلى « أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه وتصف ما تهيأ من توطيد الخلافة في دولته » « 1 » .
ولم نقف علاقة المودة بين الأمويين في الأندلس والبيزنطيين عند هذا الحد . فقد أمر الإمبراطور قسطنطين السابع بعمل قبلة للمسجد الجامع بقرطبة صنعت من الفسيفساء المذهب والملون . وقد وصفها الإدريسى الذي شاهدها بقوله « قبلة يعجز الواصفين وصفها وفيها إتقان يبهر العقول تنسيقها » . كما أهدى إليه كثيرا من الأعمدة التي استعملت في بناء مدينة الزهراء . وأرسل إليه نيقولا
salohciN
لترجمة الكتاب الطبى الذي كان قد أهداه إليه من اليونانية إلى اللاتينية على أن يتولى ابن شبروط ترجمته إلى العربية .
2 - مع الدول الغربية في أوروبا
استقرت قدم العرب في أسپانيا وفي صقلية وغيرها من جزائر البحر الأبيض المتوسط كما تقدم ، وحاولوا الاستقرار على سواحل هذا البحر في إيطاليا وفرنسا ، واستطاعوا أن يؤسسوا إمارة مستقلة على سواحل إقليم بروفانس الأسفل ، وزادت قوتهم بما كان يصل إليهم من الإمدادات من بلاد الأندلس وإفريقية وجزيرة صقلية ، وتمكنوا بذلك من إقامة المعاقل والحصون فوق المرتفعات المشرفة على خليج غويمو جنوبي إقليم بروفانس وفي غابة فراكسينت
tenixarF
. ومن ثم أطلق على هذه الدولة العربية الفراكسينية .
ولم يلبث هؤلاء العرب أن ألفوا سكنى الجبال والغابات والسير في الأدغال والأحراج ، ومما ساعد على ازدياد قوتهم قيام النزاع بين أمراء الإقطاع المجاورين الذين كانوا يطلبون منهم مساعدة بعضهم على بعض .
ولم يكتف هؤلاء العرب بما بلغوه من قوة وما حازوه من ثروة ، بل اعتبروا أنفسهم سادة هذه البلاد وأصحاب النفوذ المطلق فيها ، واستطاعوا في خلال القرن العاشر الميلادي أن يهددوا تورينو ويخربوا بعض الأديرة وينتشروا في نواحي مونت فرات وبيدمونت ويستقروا في سهول نهر الپو . ثم تقدموا في سنة 325 ه ( 935 م ) إلى حدود ليجوريا
airugiL
، ودخلوا مدينة جنوة ، ووقعت في أيديهم ممار جبال الألب الشاهقة ، وخاصة ممر سان برنار ، وفرضوا الضرائب على المسافرين .
هامش
( 1 ) المسرى : نفح الطيب ج 1 ص 3 - 1 .