وقد أتاح اشتغال العباسيين بقتال صاحب الزنج الفرصة للبيزنطيين للإيغال في بلاد الدولة العباسية ، فحاصروا قلمية ( بفتح القاف واللام وسكون الميم ) القريبة من طرسوس في جيش كثيف قيل إنه بلغ مائة ألف ؛ ولكن المسلمين أوقعوا بهم وغنموا منهم غنائم لا تحصى « 1 » .
كذلك أتاح اشتغال العباسيين بمحاربة قرامطة زكرويه في شمال العراق وبادية الشام وبعض المدن الشامية ، الفرصة للبيزنظيين ، فأغاروا في سنة 292 ه على الثغور الشآمية في مائة ألف جندي ، وعاثوا في كثير من المدن مثل الحدث ( بفتح الحاء والدال ) .
فخرج إليهم المسلمون من طرسوس ، وفتحوا أنطاكية الحصينة التي يقول ابن الأثير ( ج 7 ص 190 ) إنها تشبه القسطنطينية ، وقتلوا خمسة آلاف من أهلها وأسروا مثلهم وأنقذوا أسرى المسلمين فيها ، كما استولوا على ستين مركبا ، وغنموا ما فيها من الأموال والمتاع والرقيق . وكانت غنائم المسلمين من الكثرة بحيث بلغ نصيب كل منهم ألف دينار . كما بلغ المسلمون قونية في سنة 294 ه وخربوها ، واضطر إمبراطور الروم إلى طلب الصلح وتبادل الأسرى بين الفريقين « 2 » .
وقد اتخذ البيزنطيون من ثورة الحسين بن حمدان على بنى بويه فرصة للإغارة على الثغور الجزرية ، فقصدوا حصن منصور سنة 303 ه وسبوا من كان فيه ، كما أوقعوا بجند المسلمين في طرسوس وعاثوا فسادا بمرعش « 3 » ، وسار القائد مؤنس في السنة التالية إلى ملطية وفتح كثيرا من حصون الروم ، وكان من أثرها هذا النصر المؤزر الذي أحرزه مؤنس على الروم أن خلع عليه الخليفة المقتدر لقب المظفر . وقد اضطر الروم إلى طلب المهادنة من المسلمين ( سنة 305 ه ) . ويقول ابن الأثير ( ج 8 ص 37 ) إن إمبراطور الروم أرسل إلى المقتدر رسولين يطلبان المهادنة والفداء .
على أن البيزنطيين وقفوا على مبلغ الضعف الذي حل بالدولة العباسية في عهد المقتدر الذي عجز عن إمداد الثغور بالرجال والعتاد ، حتى إن الإمبراطور قسطنطين السابع
هامش
( 1 ) ابن الأثير ج 7 ص 147 .
( 2 ) المصدر نفسه ج 7 ص 197 .
( 3 ) المصدر نفسه ج 8 ص 33 .