حتى إن الروم صوروا في كنائسهم عشرة من كبار قواد المسلمين ، من بينهم عمرو بن عبيد اللّه ، وعلي بن يحيى الأرمني .
وكان لقتل هذين القائدين أثر بعيد في إذكاء روح الجهاد بين أهالي بغداد وسامرا ، وإلى هذا يشير ميور « 1 » : « وكانت كفة الحرب في الخمسين سنة الماضية في غير مصلحة الدولة البيزنطية بوجه عام . بيد أنه في السنة التالية ( 249 ه ) منيت غارة المسلمين على المسيحيين بإخفاق ذريع ، فقد تمزقت أوصال كتيبتين من كتائب المسلمين في أرمينية وآسيا الصغرى ، وأثارت أنباء هذه الهزائم حماسة أهل بغداد ، وتعالت تلك الصيحات القديمة في الطرقات معلنة الجهاد والنفير . . وكان لهذه الصيحات أثرها في إثارة حماسة العامة ، ففتحوا السجون وأحرقوا الجسور . ولكن بغداد ، وإن لم تستطع بعد أن تملى شروطها على حكامها ، استطاعت أن تثير الشغب والاضطراب . بيد أن روح الحرب الدينية كانت من القوة بحيث استطاعت أن تجذب جموعا كثيفة من الأمصار القريبة ، جاءوا زرافات ووحدانا بحرابهم باذلين نفوسهم في سبيل جهاد المسيحيين » .
ولما ولى المعتمد ( 256 - 279 ه ) الخلافة انكمشت الدولة العباسية إلى حدود الجزيرة والعراق ، وتجدد النزاع بين المسلمين والروم ، الذين جرءوا على العبث ببعض بلاد الدولة العباسية . ولا غرو فقد قويت شوكة الدولة البيزنطية وانتشر الأمن فيها منذ اعتلاء باسيل الأول ( 253 - 273 / 767 - 786 ) العرش ، فتمكن من إحراز النصر على بعض أمراء المسلمين . وساعده على ذلك ضعف بعض الخلفاء واستبداد القواد بهم وثورة الجند عليهم .
وكان أحمد بن طولون الذي ولى الثغور الشامية من قبل الخليفة المعتمد ، مصدر خوف البيزنطيين ، حتى إنهم هادوه في سنة 265 ه . وفي ذلك يقول الطبري ( ج 11 ص 253 ) :
« بعث ملك الروم بعبد اللّه بن رشيد بن كاوس الذي كان عامل الثغور ، فأسر إلى أحمد بن طولون مع عدة من أسراء المسلمين وعدة مصاحف هدية منه إليه » . على أن البيزنطيين لم يلبثوا أن أغاروا في السنة التالية على ديار ربيعة ، فتصدى لهم أهل الموصل ونصيبين ، وردوهم على أعقابهم بعد أن عاثوا في هذه البلاد « 2 » ، فرد نائب أحمد بن طولون على الثغور الشآمية على البيزنطيين ، بإغارته على الأراضي القريبة من هرقلة وإيقاعه بأهلها « 3 » ،
هامش
( 1 ). 325 - 225 . pp , etahpiaC ehT( 2 ) ابن الأثير : ج 7 ص 118 .
( 3 ) الطبري ج 11 ص 258 .