وقد راجت دعوة الحلاج بين كثير من الناس ، وخاصة أهالي بغداد والطالقان ( بخراسان ) الذين افتتنوا به ، حتى خشي أهل السنة أن يتفاقم خطره ، وموه بالكفر والقول بالحيلولة . وقد أثر عنه أنه قال : من هذب نفسه في الطاعة وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى مقام المقربين ، ثم لا يزال يصفو ويرتقى في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية .
فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ ، حل فيه روح الإله الذي حل في عيسى بن مريم ، ولم يرد حينئذ شيئا إلا كان كما أراد ، وكان جميع فعله فعل اللّه تعالى . وزعموا أنه ادعى لنفسه هذه الرتبة . وقيل إنهم ظفروا بكتب له إلى أتباعه عنوانها « من الهوهو رب الأرباب المتصور في كل صورة إلى عبده فلان » ، فظفروا بكتب أتباعه إليه وفيها : « يا ذات الذات ومنتهى غاية الغايات « 1 » ، نشهد بأنك المتصور في كل زمان بصورة ، وفي زماننا هذا بصورة الحسين ابن منصور ، ونحن نستجير بك ونرجو رحمتك يا علام الغيوب » « 2 » .
ولم تقف دعوة الحلاج عند حد التأثير في العامة ، بل لقد تأثر بها كثير من رجال البلاط والكتاب وبعض كبار الهاشميين . ورمى نصر حاجب المقتدر وأنصاره باعتقاد مبادئ الحلاج ، حتى إنهم اعتقدوا أنه يحيى الموتى ، وأن الجن يخدمونه ويحضرون إليه ما يريد ، وأن في استطاعته أن يأتي بالمعجزات التي أتى بها الرسل والأنبياء ، كما اعتقدوا ألوهيته ونبوة أحد أتباعه « 3 » .
انتشر دعاة الحلاج في كثير من الأمصار الإسلامية لبث مذهبه ، واتبع في ذلك طريقة دعاة كبار الإسماعيلية . فقد روى مسكويه ( ج 1 ص 79 ) أنه « كان في الكتب الموجودة له عجائب من مكاتبات أصحابه النافذين إلى النواحي ، وبوصيته إياهم بما يدعون إليه الناس ، وبما يأمرهم به من نقلهم من حال إلى حال أخرى ومرتبة إلى مرتبة ، حتى يبلغوا الغاية القصوى ، وأن يخاطبوا كل قوم على حسب عقولهم وأفهامهم ، وعلى قدر استجابتهم وانقيادهم ، وجوابات لقوم كاتبوه بألفاظ مرموزة لا يعرفها إلا من كتبها ومن كتبت إليه » . وقد ادعى الحلاج الألوهية ، وكان يقول بحلول اللاهوت في الإنسان ، ويكتب إلى أصحابه « من النور الشعشانى « 4 » » ، وروى عنه أنه قال : ما في الجبة غير اللّه « 5 » يعنى جبته ، كما روى عنه أنه قال : أنا الحق ، وكان يتغنى بقوله :
هامش
( 1 ) في الأصل الشهوات ، والصواب الغايات .
( 2 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص 248 .
( 3 ) مسكويه : تجارب الأمم ج 1 ص 76 .
( 4 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 253 .
( 5 ), i emot , ruosnaM - nbI nyasoH la'D noissaP aL : nongissaM . 26 - 16 . pp