( ص 93 ) أن المقتدر أرسل إلى الحلاج خادما ومعه طائر ميت وقال : إن هذا الببغا لولدي أبى العباس ، وكان يحبها ، وقد ماتت . فإن كان ما تدعى صحيحا ، فأحيى هذه الببغا . فقام الحلاج إلى جانب البيت الذي هو فيه وبال ، وقال : من تكن هذه حالته لا يحيى ميتا ؛ فعد إلى الخليفة وأخبره بما رأيت وبما سمعت منى ثم قال : بلى ! لي من إذا أشرت إليه أدنى إشارة أعاد الطائر إلى حالته الأولى . فعاد الخادم إلى المقتدر وأخبره بما رأى وسمع ، فقال : عد إليه وقل له المقصود إعادة الطائر إلى الحياة ، فأشر إلى من شئت .
قال : فعلى بالطائر ، فأحضره إليه وهو ميت ، فوضعه على ركبتيه وغطاه بكمه ، ثم نكلم بكلمات ثم رفع كمه وقد عاد الطائر حيا ، فأعاده الخادم إلى المقتدر وأخبره بما رأى .
وقد ألف الحلاج كتبا ذكر فيها مبادئ تخالف المبادئ الإسلامية ؛ فأباح الحج إلى غير مكة لكل من بنى في بيته بناء مربعا وطاف حوله في أيام الحج وأدى فيه مناسك الحج ، وأطعم ثلاثين يتيما بيده ، وكسا كل واحد منهم قميصا . ومنحه سبعة دراهم ، فإن ذلك كله يقوم مقام الحج ( عريب ص 93 ) كما أباح الحلاج الإفطار في شهر رمضان لمن صام ثلاثة أيام بلياليها ولم يفطر ، وأفطر في اليوم الرابع على ورقات من الهندب « 1 » ، فإن ذلك يغنيه عن صوم رمضان . وأباح ترك الصلاة لمن صلى ركعتين من أول الليل إلى آخره ، فإن ذلك في نظره يغنيه عن الصلاة طول حياته ، وأعفى من الزكاة من تصدق بجميع ما يمتلكه في يوم واحد ، كما أعفى من العبادة من زار قبور الشهداء بمقابر قريش ، وأقام بها عشرة أيام يقضيها في الصلاة والصوم مع إفطاره على قليل من خبز الشعير والملح « 2 » .
وكان الحلاج مع ذلك خفيف الحركات شعوذيا ، قد حاول الطب وجرب الكيمياء ، فلم يزل يستعمل المخاريق ( الحيل والتمويهات ) حتى استهوى بها من لا تحصيل عنده ثم ادعى الربوبية وقال بالحلول ، وعظم افتراؤه على اللّه عز وجل ورسله . ووجدت له كما يقول عريب ( ص 89 ، 92 ) كتب فيها حماقات وكلام مقلوب وكفر عظيم ، وقال في بعض كتبه : إني المغرق لقوم نوح والمهلك لعاد وثمود . وكان يقول لأصحابه : أنت نوح وأنت موسى ، وأنت محمد قد أعدت أرواحهم إلى أجسادكم . ويزعم بعض الجهلة المتبعين له أنه كان يغيب عنهم ثم ينزل عليهم من الهواء .
هامش
( 1 ) بكسر الهاء وفتح الدال ، وقد تكسر جميع هندبة أو هندابة ، وهي بقلة نافعة للمعدة والكبد والطحال أكلا ، وللسعة العقرب ضمادا .
( 2 ) عريب بن سعد ص 105 - 106 .