وقد تطور مذهب التصوف عند المسلمين ، وخاصة عند الفرس ، في عصر متأخر وأصبحت فلسفة التصوفة - إن صح هذا التعبير - قائمة على الأفلاطونية الحديثة « 1 » وعلى عناصر فارسية وأخرى هندية .
وللمتصوف نفس المذهب في حب اللّه ؛ فهم يحبونه حبا روحانيا خاليا من الرغبات والنزعات ، أي أنهم يحبونه حبا أفلاطونيا . ولا شك أنهم اكتسبوا هذا الحب وصيغ التعبير عنه مما وصلهم من هذه الفلسفة ، ويظهر هذا الشبه من قراءة أشعار المتصوفين ، فاقرأ مثلا قول عمر بن الفارض :
سقتني حميّا الحبّ راحة مقلتى * وكأسى محب من عن الحسن جلّت
وبالى أبلى من ثياب تجلدى * به الذات في الإعدام نيطت بلذة
لما شاهدت منى بصائرهم سوى * تخلل روح بين أثواب ميت
فلو كشف العوّار بي وتحققوا * من اللوح ما منى الصبابة أبقت
ومنك شقائى بل بلائي منة * وفيك لباس البؤس أسبغ نعمة « 2 »
وهكذا فإنك لا تجد إلا روحانية تنبعث في هدوء واستكانة كما ينبعث النفس من بين شفتى المريض . فانظر في هذه الأبيات فهل تجد إلا إنكار الذات وفناء الجسم وتيقطا في الروح ؟ في البيت الأول أحب بعينيه ، وفي الثاني وجد لذة في انعدام ذاته أمام ما يفكر فيه من جمال المحبوب « قدرة اللّه » ، وفي الثالث والرابع في جسمه وبقيت روحه المعذبة المدنقة التي تجد « في البيت الخامس » لذة في الألم واستمراء في البؤس .
وكما اتخذ بعض التصوف وسيلة يتقربون بها إلى اللّه تعالى ، كذلك لم يتخذه بعض آخر إلا وسيلة لتحقيق مآربهم الشخصية ، وفي ذلك يقول محمود الوراق :
تصوّف كي يقال له أمين * وما يعنى التصوف والأمانه
ولم يرد الإله به ولكن * أراد به الطريق إلى الخيانة
هامش
( 1 ) الأفلاطونية الحديثة هي الفلسفة التي ضمت فلسفة أفلاطون اليوناني بعد إعطائها صبغة شرقية اسمها أمونيس سكاس أحد فلاسفة الإسكندرية في القرن الثالث ونقحها أفلوطين وغيره من الفلاسفة .
أما وجه الشبه بين مذهب المتصوفة وفلسفة أفلوطين فهو - فيما يظهر - أن لأفلوطين مذهبا في الحب سموه الحب الأفلاطونى ، وهو حب روحاني لا تتطرق إليه الأغراض المادية ولا النزعات الحسية .
( 2 ) وهي قصيدة طويلة تسمى تائية السلوك الكبرى تقع في أكثر من سبعمائة بيت . راجع ديوان ابن الفارض ( بيروت سنة 1328 ) .