تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
المعتزلة في أوامر الدين ونواهيه ، فإنهم يعتبرون من طائفة العقليين
) stsilanoilaR (
في الإسلام الذين يقولون بسلطان العقل وفهمه لطبائع الأشياء . من ذلك أنهم فالوا بخلق القرآن ، في الوقت الذي ذهب فيه الرسول إلى القول بعكس ذلك ، ويستدلون على صحة ذلك بقولهم « إن القرآن لو لم يكن مخلوقا لأدى ذلك إلى القول بوجود أزليين أبدين . أما إذا اعتبر القرآن أو كلام اللّه مخلوقا ، كان محالا أن نعتبره صفة من الصفات الإلهية ، لما لتلك الصفات من الثبات وعدم التغيير لأنه يترتب عليه قيام الحادث بالقديم ، وهو محال لما فيه من قلب حقائق الأشياء ؛ إذ لو صح قيام الحادث القديم لأدى ذلك إلى إحدى نتيجتين لا مناص منهما : إما قلب الحادث قديما لقيامه بالقديم ، وإما قلب القديم حادثا لقيام الحادث به » . ومع ذلك فقد تزعزعت عقيدة الوحي على يد المعتزلة تزعزعا شديدا ، حتى أعلن كثير منهم صراحة ، أنه ليس مستحيلا أن يأتي إنسان بقرآن كهذا أو أحسن منه ، مخالفين في ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء ( 17 : 88 )
( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً )
. ومعنى فكرة الوحي أن القرآن كلام اللّه ، وأنه أوحى به إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، وذهبوا إلى أن الاعتقاد بقدم القرآن إلى جانب قدم اللّه شرك « 1 » . وعلى ذلك عارض المعتزلة عقيدة أزلية القرآن ، أي أنه كلام اللّه ، كما عارضوا فكرة الوحي ، بمعنى أن اللّه يتصل بالإنسان ويوحى إليه كما جاء في سورة الشورى ( 42 : 51 )
( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ )
. وكانوا لا يصغون إلى أية فكرة يشم منها رائحة التجسد للّه سبحانه وتعالى ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « ترون ربكم ( يوم القيامة ) كما ترون القمر ليلة البدر » . ويسمى المعتزلة هؤلاء المشبهة أو المجسمة . وكانت هذه الكلمات التي فهمها أهل السنة على ظاهرها حجر عثرة يرتطمون به أنى ساروا . ومع هذا فسر أهل السنة هذا الحديث بقولهم إن الإنسان بعد موته يرى اللّه بعين البصيرة . وكذلك رفض المعتزلة دعوى أن اللّه خلق الكافر « 2 » ، كما لم يرضوا القول بأن اللّه يضر لمنافاة ذلك العدل الإلهى ، بمعنى أن اللّه كان يسوق الكفار إلى الكفر ويريد منهم ذلك ، كان من الظلم مؤاخذتهم ،
هامش
( 1 ) دىبور : تاريخ الفلسفة في الإسلام : ترجمة أبى ريدة ص 56 . ( 2 ) يقصدون طبعا أن كل إنسان خلق قابلا للإيمان ، وأن الكفار صاروا كذلك بتمردهم وليس بإرادة اللّه ، بمعنى أن اللّه لم يرد كفر الكفار ، وإنما أصبحوا كفارا بمحض إرادتهم دون إرادة اللّه سبحانه وتعالى .