عليه في جميع الأزمان والأمكنة أن يرجع إلى العقل في الفصل في تلك المسائل . وقد زادت الفرق الأخرى على هذه الآراء المتفق عليها آراء أخرى خاصة بها .
وقد عالج معظم المعتزلة علم التوحيد بتوسع كثير ، بينما انساق آخرون وراء مناظراتهم وشغفهم بالجدل ، مما أبعدهم عن روح الإسلام وطوح بهم عن تعاليمه . وكان بعضهم يعتقد بالتناسخ . ومما يدل على صحة هذا القول ما ذكره البغدادي « 1 » عن خروج الحائطية أتباع أحمد بن حائط القدري ، والحمارية من معتزلي عسكر مكرم ، على جميع فرق المعتزلة وأهل السنة . فإن أحمد بن حائط القدري - وكان من أصحاب النظام في الاعتزال - كان يقول بالتناسخ ، وزعم هو وفضل الجدنى « أن للخلق ربين وخالقين ، أحدهما قديم وهو اللّه سبحانه ، والآخر مخلوق وهو عيسى بن مريم . وزعما أن المسيح ابن اللّه على معنى النبي دون الولاة ، وزعما أيضا أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة ، وهو الذي عناه اللّه بقوله
( وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا )
( سورة الفجر 89 : 22 ) ،
( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ )
، ( سورة البقرة 2 : 210 ) ؛ وهو الذي خلق آدم على صورة نفسه . وذلك تأويل ما روى أن اللّه تعالى خلق إلها على صورته ؛ وزعم أنه هو الذي عناه النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » . وهو الذي عناه بقوله إن اللّه تعالى خلق العقل فقال له أقبل فأقبل ، وقال له أدبر فأدبر ، فقال : ما خلقت أكرم منك وبك أعطى وبك آخذ ، وقال إن المسيح تذرع جسدا وكان قبل التذرع عقلا . . . وأضاف ابن حائط وفضل الجدنى فعل الخيرات كلها إلى عيسى بن مريم ، وأضافا إليه محاسبة الخلق في الآخرة ، والعجب في قولها أن عيسى خلق جده آدم عليهما السلام » . كما كان يتخيل آخرون أن لكل جماعة من جماعات الحيوانات نبيا ، وهو حيوان من أنفسهم . ومن الغريب أن نقول إنهم اعتمدوا في عقائدهم هذه على آيتين من القرآن
( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ . ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ . مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
« 2 » .
ولكن ليس من العدل أن نرمى المعتزلة جميعهم بضلالات هؤلاء . وبالنظر إلى عقيدة
هامش
( 1 ) الفرق بين الفرق ص 260 - 261 .
( 2 ) سورة الأنعام ( 6 : 38 - 39 ) . الشهرستاني : انظر الملل والنحل ج 1 ص 80 - 81