وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
.
وقد أول صاحب الزنج هذه الآية ، بأن المؤمنين ، وقد اشتروا أنفسهم ، لم يعودوا بعد عرضة للرق والعبودية « 1 » .
وسرعان ما قدم صاحب الزنج البصرة ، فأسرع إليه بعض غلمانها رغبة في التخلص من الرق . ويقول ابن الأثير ( ج 7 ص 47 ) : « وأتاه مواليهم وبذلوا له على كل عبد خمسة دنانير ليسلم إليه عبده ، فبطح أصحابهم ، وأمر كل من عنده من العبيد ، فضربوا مواليهم أو وكيلهم كل سيد خمسائة سوط ، ثم أطلقهم » .
وما زال الزنج يلتفون حول صاحبهم حتى كان يوم الفطر ، فخطبهم وصلى بهم ، وأعاد إلى أذهانهم ما كانوا يلقونه من ظلم وعنت ، ومناهم الأماني الطيبة من إطلاق حرياتهم واستمتاعهم بالأموال التي يغنمونها في حروبهم . واتخذ مدينته التي بناها وسماها « المختارة » منبرا كان يصعد عليه ويسب عثمان وعليا ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة على الرغم من ادعائه الانتساب إلى علي .
انتشرت جيوش صاحب الزنج في العراق وخوزستان والبحرين ، ونهبوا القادسية وهزموا أهالي البصرة ، واستولوا على ألف وتسعمائة سفينة كانت تحمل بعض الحجاج إلى مكة . وألقوا الرعب والفزع في قلوب الأهلين ، حتى عجزوا عن مقاومتهم وشكوا إلى الخليفة المهتدى ( 255 - 256 ه ) ما حل بهم من بلاء ، فأنفذ إليهم أحد قواده الأتراك « 2 » . ولما ولى المعتمد الخلافة ( 256 - 279 ه ) سير « جعلان » أحد قواد الأتراك لمحاربة صاحب الزنج بالبصرة ، ونشب القتال بين الفريقين ، فانتصر صاحب الزنج .
وقتل القائد التركي ، واستولى على مدينة الأبلة على مقربة من الخليج الفارسي وشط العرب حيث يتفرع دجلة والفرات . ثم استولى على الأهواز وخربها ، واضطر أهالي البصرة وما جاورها إلى مغادرة بلادهم والانتقال إلى المدن البعيدة عن مطامع الزنج .
وقد أدخل الزنج الفزع والرعب في قلوب كثير من أهالي البلاد الإسلامية ، فاستولوا على البصرة سنة 257 ه ، وذبحوا كثيرا من أهلها ، وخربوا مسجدها العظيم ، وأشعلوا النار في المدينة ، وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من حاضرة الخلافة « 3 » .
هامش
( 1 ). 545 . p , etahpilaC ehT , riuM( 2 ) ابن الأثير : ج 7 ص 75 - 76 . السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 242 .
( 3 ) ابن الأثير : ج 7 ص 86 - 87 .