تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
تكن الأندلس قبل أيامه في تلك الحال من الحصب والإمراع والإنتاج وتوالى الخيرات ، التي نماها ووصل بها إلى الكمال كد أهلها ومهارتهم في الصناعة . ولم يكن الحكم الأندلسي في يوم من أيامه أبهر انتصارا على الفوضى ، كما لم تكن قوة القانون أكثر نفوذا إلى القلوب وأعظم هيبة مثلما كانت في أيام عبد الرحمن ، فقد تسابق إلى أبوابه الرسل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا ليقدموا إليه تحية الإجلال والتمجيد . وكانت قوته وحكمته وثروة مملكته مضرب المثل في أوروبا وإفريقيا ، وبلغت شهرته أقصى حدود المملكة الإسلامية بآسيا . وكان مصدر كل هذا الانقلاب العجيب رجلا واحدا ، عانده كل شئ فقهره ، ووقف في طريقه كل شئ فحطمه . بعث الأندلس من حضيض البؤس إلى قمة الفوة والازدهار ، ولم تصل البلاد إلى كل هذا إلا بذكاء الخليفة عبد الرحمن الناصر وصدق عزيمته »

الحكم الثاني المستنصر ( 350 - 366 ه ) :

كان عبد الرحمن الناصر آخر عظماء أمراء بنى أمية في الأندلس . وقد خلفه الحكم المستنصر الذي أتاحت له فتوح أبيه وما حازه من نصر وظفر على أعدائه فترة من الهدوء والطمأنينة ، إذ شعر نصارى الشمال بقوة الدولة التي تركها الناصر ، فلم تعترضه هذه الثورات الجامحة التي اعترضت أباه في العشرين السنة الأولى من عهده ؛ كما وجد الحكم حكومة منظمة أقام دعائمها أبوه ، « فجرى على رسمه ، ولم يفقده من ترتيبه إلا شخصه . وولى حجابته . جعفرا الصقلى » ، الذي أهدى له يوم ولايته هدية نفيسة تدل على صخامة ثروة الأندلس وما كانت تتمتع به من يسر ورخاء « 1 » . ولم يقف في وجه الحكم أحد من إخوته وأعمامه وغيرهم ، وجلس المستنصر على سرير الملك في البهو الأوسط من الأبهاء المذهبة القبلية في السطح الممرد « 2 » . وقد بايعه إخوته . ثم بايعه الوزراء وأولادهم وإخوتهم ، ثم أصحاب الشرط وغيرهم « 3 » . وكان الحكم الثاني ميالا بطبعه إلى السلم والدعة ، وكان الرعب الذي غرسه الناصر عظيما في قلوب أهل الأندلس ، وخاصة مسيحي الشمال الذين كانوا لا يزالون يشعرون بقوة الخلافة . ولم يكن الحكم ضعيف القلب أو جبانا ، حتى إنه كان يقود الجيوش ( 12 - تاريخ الإسلام السياسي - ج 3 )
هامش
( 1 ) المقرى : نفح الطيب ج 1 ص 180 . ( 2 ) مرد البناء : ملسه وسواء وصقله . ( 3 ) المقرى : نفح الطيب ج 1 ص 183 .
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 177 | حسن ابراهيم حسن