وأنشد ابن عبد ربه هذه الأبيات يوم تولية الناصر الإمارة :
بدا الهلال جديدا * والملك غضّ جديد
يا نعمة اللّه زيدي * إن كان فيك مزيد
إن كان للصوم فطر * فأنت للدهر عيد « 1 »
كانت بلاد الأندلس عند اعتلاء عبد الرحمن العرش - كما يقول المفرى ( ج 1 ص 166 ) - « مضطربة بالمخالفين ، مضطرمة بنيران المتغلبين ؛ فأطفا تلك النيران ، واستنزل أهل العصيان ، واستقلت له الأندلس في سائر جهاتها بعد نيف وعشرين سنة من أيامه » .
وقد أعلى الأمير الجديد عن سياسته التي عول على نهجها ، ودعا الخارجين إلى الخضوع لسلطانه ، واتجهت إليه أنظار الشعب لتخليصه من عصابات اللصوص والمجرمين الذين أتلفوا الزرع وأقفروا الأرض ، فخضع أكثر الولايات وسلموا حين رأوا أميرهم الشاب يتقدم جيوشه في شجاعة وثقة واعتزاز بالنفس ، وأعجبوا به لأنهم وجدوا فيه من الصفات ما لم يجدوه في جده عبد اللّه . وفتحت له مدن الأندلس أبوابها ، قسمت له الولايات التي في جنوبي قرطبة وتبعتها إشبيلية ، وأرغم البر في الغرب على الطاعة ، وحذا حذوه أمير الجرف .
وكان عبد الرحمن يخلع على كل من نزل من الثوار عن حصنه ويقويه ويدر عليه الأرزاق والهبات . وبذلك خضع له كثير من هؤلاء الثوار طائعين . ثم تفرغ لقتال من بقي من الثائرين . وكان أشد هؤلاء بأسا وأعظمهم خطرا عمر بن حفصون الذي لقى جده عبد اللّه في سبيل محاربته كثيرا من العنت والإرهاق . وظل عبد الرحمن يقاتل هو وأولاده في معاقلهم الجبلية في ببشتر إلى أن توفى سنة 305 « 2 » ، وسلم إليه أولاده بعد حروب طويلة ؛ ولم تأت سنة 320 ه حتى كانت بلاد الأندلس الإسلامية خاضعة لعبد الرحمن .
ولما وقف على مشارف هذا الحصن المنيع ورأى قممه الشاهقة الشديدة الانحدار المحيطة به ، سجد شكرا للّه على ما أولاه من نعمة الفتح والنصر ، وظل طول مدة إقامته في هذا الحصن صائما وعفا عن أعدائه .
وكانت طليطلة آخر حصون الثائرين التي سقطت في يد عبد الرحمن ، حيث سلمت إليه في سنة 320 ه ، وكان أسلافه قد اضطروا إلى منحها نوعا من
هامش
( 1 ) نفح الطيب ج 1 ص 167 .
( 2 ) انظر: 293 p . niapS ni smelsoM ehT , yzoD