وقد قصده الشعراء وطمع شعراء قرطبة في كرمه ، وقد قيل أن أحد شعرائها هجا في حضرته منافسيه من أشراف قرطبة ، فقال له عبد اللّه : كذبت نفسك يا هذا إن ظننت أن رجلا مثلي يهش لسماع هذا الهجاء الدنىء .
ولكن عبد اللّه لم يستطع أن يتغلب على هذه المصائب التي حلت بالبلاد ، ومات في سنة 300 ه وهو في الثامنة والستين من عمره بعد أن قضى في الحكم أربعا وعشرين سنة وقد أشرفت دولة الأمويين بالأندلس في عهده على الزوال لولا أن قيض اللّه لها عبد الرحمن الثالث الناصر .
عبد الرحمن الناصر ( 300 - 350 ه ) .
ولد عبد الرحمن الناصر في رمضان سنة 277 ه ( 891 م ) . وكان أبوه محمد بن الأمير عبد اللّه بن محمد الأول ، وأمه أم ولد سماها ابن الأثير ( ج 8 ص 26 ) « 1 » مرنه ، وقال إن عبد الرحمن يوم قتل أبوه لم يزد عمره على واحد وعشرين يوما . وكان قتله بسبب وشاية أخيه مطرف الأصغر عند أبيهما عبد اللّه طمعا في اعتلاء العرش . وكان لقتل محمد أثر بالغ في نفس أبيه عبد اللّه الذي أمر بإدخال حفيده عبد الرحمن إلى قصره ، وحاطه برعايته وقربه إليه ، وآثره على أبنائه « 2 » .
وقد شب عبد الرحمن في بيت الإمارة وأخذ بقسط وافر من الثقافة ومال إلى دراسة الفلسفة . وكان جده يخصه بعطفه دون أبنائه ، حتى قيل إنه رمى إليه بخاتمه « 3 » ، فاتخذ الناس من ذلك دليلا على رضاه عنه وإيثاره على أبنائه بالإمارة من بعده ، كما كان ينيبه عنه في الأعياد والمواسم والحفلات وعرض الجند . ولما مات عبد اللّه في ربيع الأول سنة 300 ه ( 912 م ) أجلس الأمراء والقواد عبد الرحمن على العرش وبايعوه ولقبوه الناصر ، ولم يقم في وجهه أحد من أعمامه وأعمام أبيه « 4 » وأرسلت البيعة إلى سائر الولايات الأندلسية .
كان الناصر حين اعتلى عرش الأندلس شابا في مقتبل العمر لم يجاوز الثانية والعشرين .
واستبشر بإمارته رجال القصر وأهالي قرطبة لما اتصف به من سمو الأخلاق وقوة الإدراك
هامش
( 1 ). 283 . p , niapS ni smelsoM ehT , yzoD( 2 ) ابن عذارى : البيان المغرب ج 2 ص 162 .
( 3 ) ابن الخطيب . أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام ج 3 ص 32
( 4 )283 . p , niapS ni smelsoM ehT , yzoD