وبعد أن فرغ جوهر من بناء القاهرة وتأسيس الجامع الأزهر وإقامة الدعوة الفاطمية في فلسطين والشام والحجاز ؛ بعث إلى مولاه المعز رسولا ينبئه بذلك ، فسر سرورا عظيما ، وخرج من المنصورية حاضرة خلافته ، فوصل إلى سردانية التي دانت هي وصقلية لسيادة الفاطميين ، واستخلف يلكين بن زيرى بن مناد الصنهاجى على إفريقية ، « وتوجه إلى مصر بأموال جليلة المقدار ورجال عظيمة الأخطار » « 1 » ، وحمل معه جثث آبائه الثلاثة الذين تولوا الخلافة قبله .
دخل المعز الإسكندرية في 4 من شعبان 362 ه ( 30 مايو 973 م ) ، ثم دخل القاهرة في 7 من رمضان 362 ه ( 11 يونية 973 م ) ، ودخل القصر الذي بناه له جوهر وخر ساجدا للّه تعالى ، وصلى ركعتين في إحدى ردهاته وصلى خلفه من كان معه .
وأقام أولاد المعز وحاشيته وخدمه وعبيده معه في القصر ، وكان جوهر قد أعد به كل ما يحتاج إليه الملوك ، ونزل جوهر بقصر الوزارة في القاهرة « 2 » .
وقد أصبحت مصر منذ ذلك الحين دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة تابعة للخلفاء الفاطميين ببلاد المغرب ، وغدت القاهرة ، بدل المنصورية ، مركز الدولة الفاطمية الشاسعة الأرجاء .
على أن نقل المعز مقر خلافته من المنصورية إلى القاهرة أفقد الفاطميين إفريقية ( تونس ) ، فاستقل بلكين بن زيرى بن مناد شيخ صنهاجة ، وأسس الدولة الزيرية في سنة 362 ه ، وحذا حذوه الحماديون في سنة 398 ه وتقلص ظل الحكم الفاطمي عن كل بلاد المغرب في عهد المستنصر الفاطمي .
وقد تسلم المعز مقاليد الحكم من جوهر الذي حكم مصر أربع سنين ؛ ثم أخذ يتوارى عن مسرح السياسة المصرية ، ولم يعد إلى الظهور إلا في أواخر سنة 364 ه حين تفاقم خطر الأتراك بزعامة أفتكين ، وخطر القرامطة بزعامة الحسن بن أحمد ، واستعصى على المعز كبح جماحهما ، فلجأ إلى جوهر وولاه قيادة جيوشه .
قضى المعز الشطر الأكبر من خلافته في بلاد المغرب ، ولم يبق في مصر أكثر من سنتين
هامش
( 1 ) ابن خلكان : ج 2 ص 102 .
( 2 ) المصدر نفسه ج 2 ص 102 - 103 .