بنو بويه في فارس
عماد الدولة بن بويه ( 320 - 338 ه ) :
رأينا من قبل كيف ولى علي بن بويه بلاد الكرج من قبل مرداويج بن زيار الديلمي ، وكيف أمر أخاه وشمكير بن زيار في الري بصرف أولاد بويه ، فصرفهم إلا علي بن بويه لما رآه فيه من حسن التدبير ، وكيف ساعده أبو عبد اللّه محمد الملقب بالعميد والد أبى الفضل بن العميد على المسير إلى بلاد الكرج التي آل إليه حكمها . ومع ذلك فقد عمل وشمكير على صرف عماد الدولة عن بلاد الكرج ، فقال له ابن العميد : « إنه لا يرجع طوعا ، وربما قاتل من يقصده ويخرج عن طاعتنا . فتركه « 1 » » .
على أن علي بن بويه تحبب إلى أهالي الكرج وأحسن إليهم ، وافتتح كثيرا من قلاع الخرمية واستولى على ما فيها من الذخائر والأموال ، وأغدق على الأهلين ، فلهجت ألسنتهم بالثناء عليه ، وامتدحوا سيرته ، وأحبه الناس وقصدوه . ولكن الجو لم يصف له ، لموقف مرداويج العدائي منه ، وعزمه على طرده من بلاد الكرج . وحنق بعض ولاته عليه ، وملك علي بن بويه أصبهان ، فقوى أمره وعلا شأنه في عيون الناس ، لأنه هزم بمائتين من أصحابه آلافا من أصحاب السلطان ، وبلغ ذلك مرداويج فأقلقه « 2 » .
ولما أحس مرداويج بن زيار ازدياد نفوذ علي بن بويه وعد بأن يمده بجيوش يفتح بها ما حوله من البلاد باسمه ، وأن يؤول حكمها إليه مع إقامة الخطبة لمرداويج على منابرها ، وأرسل في الوقت نفسه أخاه وشمكير على رأس جيش كثيف يفاجئ به علي بن بويه في أصبهان وهو مطمئن إلى وعوده . ولكن علي بن بويه أدرك سوء نية مرداويج ، فرحل عن أصبهان .
ثم استولى مرداويج على شيراز ، ولم يلبث أن استقر نفوذه في فارس ، وكتب إلى الخليفة العباسي الراضي وإلى وزيره أبى علي بن مقلة يعلن طاعته ويطلب إقراره على ما بيده من البلاد ، ويتعهد بأداء ألف ألف درهم في كل سنة ، فأجيب إلى طلبه ، وأقر على ولاية فارس ، وأرسلت إليه الخلع « 3 » .
هامش
( 1 ) ابن الأثير ج 8 ص 92 .
( 2 ) مسكويه : تجارب الأمم ج 1 ص 278 - 279 .
( 3 ) ابن الأثير ج 8 ص 94 - 95 .