اللّه دولته منذ لفظه المهد وجفاه الرضاع ، وانحلت عن لسانه عقدة الكلام ، واستغنى عن الإشارة بالإفهام ، مشغول اللسان بالذكر والقرآن ، مشغول النفس بالسيف والسنان ، ممدود الهمة إلى معالى الأمور ، معقود الأمنية بسياسة الجمهور ، لعبه مع الأتراب جد ، وجده مسئكد ، يألم لما لا يعلمه حتى يقتله خبرا ، ويحزن لما يحزن حتى يدمثه قسرا وقهرا » .
كان محمود الغزنوي - كما وصفه ابن الأثير « 1 » - عاقلا دينا خيرا « 2 » ، عنده علم ومعرفة ، له كثير من الكتب في الفنون ، وقصده العلماء من أقطار البلاد . وكان يكرمهم ، ويقبل عليهم ، ويعظمهم ويحسن إليهم . وكان عادلا كثير الإحسان إلى رعيته ، والرفق بهم ، كثير الغزوات ، ملازما للجهاد . وفتوحه مشهورة مذكورة . . . وفيه ما يستدل به على بذل نفسه للّه تعالى واهتمامه بالجهاد ، ولم يكن فيه ما يعاب إلا أنه كان يتوصل إلى أحد الأموال بكل طريق « 3 » . . . وكان ربعة مليح اللون حسن الوجه ، صغير العينين ، أحمر الشعر » .
وقد نقل أبو نصر العتبى عن بديع الزمان الهمداني ( 398 / 1007 ) أبيانا يصف فيها ازدهار الدولة الغزنوية في عهد يمين الدولة محمود الغزنوي وتحول السيادة والنفوذ من العنصر الفارسي إلى العنصر التركي بقضاء محمود الغزنوي على السامانيين « 4 » .
مسعود الأول ( 421 - 432 ه ) :
لما حضرت محمود الغزنوي الوفاة ، أوصى إلى ابنه محمد نائبه ببلخ بالحكم من بعده ، ولقبه جلال الدولة ، ولم يوص لابنه الأكبر مسعود لإيقاع الوشاة به عند أبيه . ووصل محمد إلى غزنة بعد موت أبيه بأربعين يوما ، وخلع على قواده وعساكره ، فأطاعوه :
هامش
( 1 ) ج 9 ص 150 - 151 .
( 2 ) ذكر ابن خلكان ( ج 2 ص 86 ) أن محمودا الغزنوي كان مولعا بعلم الحديث ، وقد رأى أن أكثر هذه الأحاديث موافق لمذهب الشافعي ، ولذلك تحول محمود إليه ، وترك مذهب أبي حنيفة .
( 3 ) ذكر ابن الأثير ج 9 ص 150 - 151 ) أن محمودا قبض على وزيره أبى القاسم أحمد بن الحسن الميمندى ( 412 ه ) طمعا في ماله ، « وأخذ منه لما قبض عليه مالا وأعراضا بقيمة خمسة آلاف درهم . وذكر أيضا أنه « بلغه أن إنسانا من نيسابور كثير المال عظيم الغنى ، فأحضره إلى غرفة وقال له :
بلغنا أنك قرمطى ، فقال لست بقرمطى ، ولى مال يؤخذ منه ما يراد وأعفى من هذا الاسم ، فأخذ منه مالا وكتب معه كتابا بصحة اعتقاده » .
( 4 ) تاريخ اليميني ج 1 ص 384 - 386 .