وقد تمتعت السيدة زبيدة زوجة الرشيد وأم الأمين بنفوذ كبير في الدولة فإنها حين حجت بيت اللّه سنة 186 ه وأدركت ما يعانيه أهل مكة من المشاق في الحصول على ماء الشربدعت خازن أموالها وأمرته أن يدعو المهندسين والعمال من أنحاء البلاد وقالت له : « أعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينارا » . ووفد على مكة أكفا المهندسين والعمالو وصلوا بين منابع الماء في الجبالو اعتمدوا على عين حنين فأرسلوا منها الماء تحت الصخور حتى تغلغل من الحل إلى الحرم .
وبذلك وصل الماء إلى مكةقبلة المسلمين التي يجتمع فيها حجاج بيت اللّه .
ولا يزال هذا الماء بزال يجرى إلى مكة حتى اليوم .
وكذلك ساهمت المرأة في هذا العصر في الحروبفاشتركت فيها أم عيسى ولبابة بنتا علي بن عبد اللّه بن عباس عم الخليفة المنصور . وكن في عهد الرشيد يمتطين الجياد ويقدن الجند إلى ميدان القتال « 1 » . ولما سبى الروم نساء المسلمين ومثلوا بهن في عهد المعتصم وصاحت امرأة هاشمية وقعت أسيرة في أيديهم « وامعصماه » ! لبى الخليفة نداءها وثارت ثائرتهو قاد جيشه الجرار وانتصر على الروم في موقعة عمورية المشهورة كما تقدم .
وقد بلغت المرأة في هذا العصر مبلغا عظيما من الثقافة حتى كانت تنظم الشعر وتناظر الرجل في عهد الرشيد والمأمون . وكانت السيدة زبيدة شاعرة مثقفة .
وكثيرا ما كانت تبعث برسائلها الفياضة أبياتا شعرية إلى زوجها الرشيد . وإن القصيدة التي بعثت بها الخليفة المأمون على أثر مقتل ابنها الأمين لتدل دلالة واضحة على علو كعبها في الأدب والشعر والسياسة وهناك بعض أبيات منها :
لخير إمام قام من خير عنصر * وأفضل راق فوق أعواد منبر
ووارث علم الأولين وفخرهم * وللملك المأمون من أم جعفر
كتبت وعيني تستهل دموعها * إليك ابن عمى مع جفونى ومحجرى
أصبت بأدنى الناس منك قرابة * ومن زال عن كبدي فقل تصبرى « 2 »
هامش
( 1 ) أمير على : مختصر تاريخ العرب ص 190 .
( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 316 .