يضرب به رأسه حتى كسرهثم أخرجه المنصور من قصره .
ويحدثنا المسعودي « 1 » أن المنصور بينما كان جالسا في مجلسهسقط بين يديه سهم فذعر ذعرا شديداثم أخذه فجعل يقلبهفإذا مكتوب عليه بين الريشتين :
أتطمع في الحياة إلى التناد « 2 » * وتحسب أن مالك من نفاد ؟
ستسأل عن ذنوبك والخطايا * وتسأل بعد ذاك عن العباد
ثم قرأ عند الريشة الأولى :
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وساعفتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر
ثم قرأ عند الريشة الأخرى :
هي المقادير تجرى في أعنتها * فاصبر فليس لها صبر على حال
يوما نريك خسيس القوم ترفعه * إلى السماء ويوما تخفض العالي
وإذا على باب السهم مكتوب : همذان فيها رجل مظلوم في حبسكفبعث المنصور من فوره بعض خاصته ليفتشوا السجونفوجدوا شيخا موثقا بالحديد متوجها نحو القبلة يرد هذه الآية :
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
« 3 » فسأله عن بلدهفقال : همذانفحمل ووضع بين يدي المنصور فسأله عن فصته فأخبره أنه من أبناء مدينة همذانو من أهل اليسار فيهاو أن الوالي أراد أن يأخذ منه ضيعته التي تقوم بألف ألف درهمفامتنع عن القبول فكبله بالحديد وحمله . وكتب إليه أنه عاص ؛ فكان من أمره ما كانو ظل على ذلك أربع سنين . فأمر المنصور ففك الحديد عن هذا الرجل وأطلق من حبسهو ردت إليه ضيعته وولاه همذان . فشكره الرجلو قال : يا أمير المؤمنين ! أما الضيعة فقد قبلتهاو أما الولاية فلا أصلح لهاو أما واليك فقد عفوت عنه . وعاد هذا الرجل معززا مكرماو صرف المنصور الوالي عن ولايته وعاقبة على فعلته .
هامش
( 1 ) مروج الذهب ج 2 ص 333 .
( 2 ) يريد يوم التناد وهو يوم القيامة .
( 3 ) سورة الشعراء : 226 : 227 .