وكان المنصور يكره سفك الدماء إلا بالحق فقد بلغه أن عيسى بن موسى قتل رجلا من ولد نصر بن سيار والى مروان بن محمد الأموىكان مستخفيا في الكوفة . فأنكر ذلك على عيسى وهمّ بقتله . ثم عدل عن هذا العملبعد أن بلغه أنه لم يقم بذلك عن سوء نية أو عن موجدة لهذا الرجلفكتب إليه أبو جعفر هذا الكتاب يؤنبه فيه على فعلتهو يأمره ألا يعاقب أحدا عن ريبة أو ظنة . وإنما لثبوت التهمة عليه وتوافر الأدلة على جرمه . وهاك هذا الكتاب بنصه عن الطبري « 1 » :
« أما بعد فإنه لولا نظر أمير المؤمنين واستبقاؤهلم يؤخرك قتل ابن نصر بن سيارو استبدادك به بما يقطع أطماع العمال في مثله . فأمسك عمن ولاك أمير المؤمنين أمره من عربى وأعجمي وأحمر وأسودو لا تستبدن على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة في أحد قبله تباعة ( ظلامة ) فإنه لا يرى أن يأخذ أحدا بظنه قد وضعها اللّه عنه بالتوبةو لا يحدث كان منه في حرب أعقبه اللّه منها سلماستر به عن ذي غلةو حجز به عن محنة ما في الصدور . وليس ييأس أمير المؤمنين لأحد ولا لنفسه من اللّه من إقبال مدبركما أنه لا يأمن من إدبار مقبل إن شاء اللّه والسلام » .
وقد عرف المنصور بالثبات عند الشدائد . ولا شك أن هذه الصفة كانت من أبرز الصفات التي كفلت له النجاح إذا صادفته إحدى الصعوباتو كانت كثيرة في عهده كما نعلم . ومما يسجل للمنصور بالفخر والإعجابقيامه في وجه من خرجوا عليه من أهل بيته وبين أبناء عمه من العلويين ؛ فقد تغلب عليهم بفضل هذا الثباتو وطد دعائم ملكه بعد أن أصبح قاب قوسين أو أدنى من الوهن والانحلال .
وروى الطبري « 2 » عن الوضين بن عطاء قال : استزارنى أبو جعفرو كان بيني وبينه خلالة قبل الخلافة . فصرت ؟ ؟ ؟ إلى مدينة السلامفجلونا يوما . فقال لي :
هامش
( 1 ) ج 9 ص 294 .
( 2 ) ج 9 ص 212 .