جماعة من كبار العلماء والمتكلمين الذين تنالوا أصول الدين والعقائدو حكموا عقولهم في البحثو نشأت بسبب ذلك اعتقادات تخالف اعتقادات عامة المسلمين وجمهور علمائهم المعروفين بأهل الحديث . وكان اعتماد المتكلمين في مباحثهم على العقل دون النقل . ومال المأمون إلى الأخذ بمذهب المعتزلةلأنه أكثر حرية واعتمادا على العقلفقرب أتباع هذا المذهب إليه . ومن ثم أصبحوا ذوى نفوذ في قصر الخلافة ببغداد ؛ ووافقهم فيما ذهبوا إليه من أن القرآن مخلوقو عمد إلى تسخير قوة الدولة لحمل الناس على القول بخلق القرآن كما تقدم .
وصفوة القول أن بعض خلفاء العصر العباسي الأول ، كالمأمون والمعتصم والواثقشجع بعض الآراء الفلسفية والبحث العقلي في المسائل الدينيةو أن هؤلاء الخلفاء وقع فيما وقع فيه الروم من قبلفأخذوا ببعض هذه الآراء واضطهدوا المعارضين لهاو عضدوا علماء الكلام فيما ذهبوا إليه من المسائل الدينية وبخاصة مسألة خلق القرآنالتى شغلت عقول الخلفاء وعلماء الكلام نحو خمس عشرة سنة ( 218 - 232 ه ) .
ومن أبرز متكلمي المعتزلة أبو الهذيل العلاف الذي ولد سنة 135 ه ومات سنة 235 . وكان من أقوى الشخصيات في مدرسة البصرة كما كان رئيس طائفة المعتزلة في أيامه ؛ واشتهر بالجدل . وقد وصفه الخياط المعتزلي « 1 » بقوله : إنه نسيج وحده ووحيد دهره في البيان ومعرفة جيد الكلامو كان أبو الهذيل واسع الاطلاع فصيحا . يدل على ذلك قول أحمد بن المرتضى المتوفى سنة 325 ه وكان من أئمة الزيدية الذين يميلون إلى مذهب المعتزلة : « ما رأيت أفصح من أبى الهذيل والجاحظ . وكان أبو الهذيل أحسن مناظرةشهدته في مجلس وقد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت « 2 » » . واشتهر أبو الهذيل بقوة الجدل والإقناعحتى قيل إنه أسلم على يديه ثلاثة آلاف رجلو قد شغل كل حياته بالجدل مع الزنادقة
هامش
( 1 ) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ص 67 .
( 2 ) أحمد بن يحيى بن المرتضى : كتاب المنية والأمل ص 26 .