على أن أهم ما امتاز به العصر العباسي أنه أصبح في كل ولاية قضاة يمثلون المذاهب الأربعة ينظر كل منهم في النزاع الذي يقوم بين من يدينون بعقائد مذهبه « 1 » .
ومما هو جدير بالملاحظة اتخاذ جماعة الشهود الدائمين أمام القاضىفيحدثنا الكندي « 2 » أن القاضي إذا شهد عنده أحد كان معروفا بالسلامةقبله القاضي وإذا كان غير معروف بها أوقفو إذا كان الشاهد مجهولا لا يعرف سئل عنه جيرانه ، فما ذكروه به من خير أو شر عمل به . وكان غوث بن سليمان في خلافة أبى جعفر المنصورأول من سئل عن الشهود بمصر في السرو يرجع ذلك إلى كثرة شهادة الزور في زمنه . وقد عين القاضي مفضل بن فسالة ؟ ؟ ؟ رجلا يسمى « صاحب المسائل » مهنته الوقوف على حالة الشهود . كما أن القاضي العمرى الذي ولى قضاء مصر من قبل الرشيد سنة 185 ه دون أسماء الشهود في كتابهو حذا القضاة حذوه في هذا العمل . وبلغ من اهتمام القاضي عيسى بن المنكدر الذي ولى قضاء مصر سنة 212 ه بأمر الشهودأن كان يتنكر بالليل ويغطى رأسه ويمشى في الطرقات ليسأل عنهم . ونجد في عهد بولاية القضاء في كتاب الخراج لقدامة بن جعفر أن التثبت في شهادة الشهود والمبالغة في السؤال عنهم والفحص عن وجوه عدالتهم والبحث عن حالاتهم من أهم واجبات القاضي في ذلك العصر .
وقد أدخل بعض قضاة العصر العباسي في مصر ضروريا من الإصلاح ؛ فقد طهر القاضي غوث ( 135 - 140 ه ) القضاء من العيوب التي كانت فاشية فيهو أخصها شهادة الزورفكان يسأل عن الشهود سرافإذا تحقق من استقامتهم وحسن سيرتهم قبل شهادتهم . وكان - كما وصفه الكندي - « أعلم الناس بمعانى القضاء وسياسته » . واشتهر بالعدل والاعتدال في أحكامه وبلغ من عدله أنه جعل الخليفة المهدى وامرأته شكته إليه على قدم المساواة في
هامش
( 1 ) النظم الإسلامية للمؤلف ص 281 .
( 2 ) كتاب القضاة ص 423 - 424 .