فالشأن في أمر فتى قريش الأحوذي الفذ في جميع شئونهو عدمه لأهله ونسبه وتسليه عن جميع ذلك ببعد مرقى همته ومضاء عزيمتهحتى قذف نفسه في الحج المهالك لابتناء مجده ؛ فاقتحم جزيرة شاسعة المحل ، نائية المطمععصبية الجند .
ضرب بين جندها بخصوصيتهو قمع بعضهم ببعض بقوة حيلتهو استمال قلوب رعيتها بقضية سياسته ، حتى انقاد له عصيهم وذل له أبيهم . فاستولى فيها على أريكتهملكا على قطيعتهقاهرا لأعدائهحاميا لذمارهمانعا لحوزتهخالطا الرعبة إليه بالرهبة منه . إن ذلك لهو الفتى كل الفتى لا يكذب مادحه » « 1 » .
ولما لم يظفر المنصور بشئ من وراء هذه السياسةطرق باب « بيبين » ملك الفرنجة رغبة في مساعدته على عبد الرحمن الداخل ؛ فأرسل إليه سفراء أقاموا في بلاطه عدة سنين ؛ ثم عادوا إلى المنصور يصحبهم سفراء الفرنجة . ثم عاد هؤلاء إلى بيبين محملين بهدايا الشرق النفسية ، دون أن تؤدى هذه المفاوضات إلى شئ سوى ما ولدته في نفس عبد الرحمن الداخل من خوف هجوم الفرنجة على بلاده « 2 » .
وبذلك لم يحاول إظهار عدائة الحربي للخليفة العباسي . لذلك نرى المنصورو إن كان لم ينجح في القضاء على عبد الرحمن الداخل في الناحية الحربيةقد نجح إلى حد بعيد في الناحية السياسيةو وضع أساس هذه السياسة التي سار عليها أبناؤه من بعده .
وكانت الدول تهاب الدولة الإسلامية في عهد المهدى العباسي لعظمتها وقوة سلطانهاإلا ما كان بين العباسيين والأمويين في الأندلس . فقد كان المهدى يضمر العداء لعبد الرحمن الداخل كما كان أبوه المنصور من قبل ويود إزالة دولته .
ولكنه كان يحجم عن تجريد الجيوش إلى بلاده ، لبعد الشقة ووعورة الطريق وإتعاب جنده بالمسير في صحراء إفريقيةو قوة عبد الرحمن الذي فكر في انتزاع بلاد الشام من العباسيينلو لا أن الحالة الداخلية في بلاده تطلبت العدول
هامش
( 1 ) المقرى : نفح الطيب ج 1 ص 157 .
( 2 ). 164 - 064 . pp , etahpilaC ehT , riaM.