ووجوهها إلى طاهر بن الحسينو طلب الجند أرزاقهم ؛ فأمر الأمين ببيع ما بقي من التحف في خزائنهو غدا مركزه من أحرج المراكزحتى إنه لم يعد يثق بأشد الناس اتصالا بهو عبر عن سخطه وسوء حاله في هذه الكلمات : « وددت أن اللّه عز وجل قتل الفريقين جميعا وأراح الناس منهم : فما منهم إلا عدو ممن معنا وممن علينا : أما هؤلاء فيريدون مالي وأما أولئك فيريدون نفسي » .
اشتد البلاء على بغدادو أيقن قواد الأمين أنه لا قبل لهم بمقاومة الحصار فخشوا سوء مصيرهمو أشار عليه جماعة منهم بالهرب إلى الجزيرة والشام وطلب النجدة من أهلهاو صادف هذا الرأي قبولا منه . ولكن طاهر بن الحسين كتب إلى سليمان بن جعفرو إلى محمد بن عيسىو إلى السندي بن شاهك :
« واللّه لئن لم تقروه وتردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها ولا تكون لي همة إلا أنفسكم ؛ فدخلوا على محمد ( الأمين ) فقالوا : لقد بلغنا الذي عزمت عليهفنحن نذكرك اللّه في نفسك : إن هؤلاء صعاليكو قد بلغ الأمر إلى ما ترى من الحصارو ضاق عليهم المذهبو هم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر وهرثمةلما انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجد فيها . ولسنا نأمن إذا برزوا بك وحصلت في أيديهمأن يأخذوك أسيراو يأخذوا رأسكفيتقربوا بك ويجعلوك سبب أمانهمو ضربوا له فيه الأمثال » « 1 » .
واختلف أصحاب الأمين في الرأي : فطلب من هرثمة أن يتوسط في إصلاح ذات البين بينه وبين أخيه المأمون على أن ينزل على الخلافةفكتب إليه كتابا يقول فيه : « قد كان ينبغي لك أن تدعو إلى ذلك قبل أن يتفاقم الأمرأما الآن فقد جاوز السيل الزبىو شغل الحلى أهله أن يعار . ومع ذلك . . . فإني لا آلو جهدا في كل ما عاد بصلاح حالك وقربك إلى أمير المؤمنين » . فلما سمع الأمين ذلك استشار أصحابهفأشاروا عليه بالقبول طمعا في الإبقاء عليه . فلما جنّ
هامش
( 1 ) الطبري ج 10 ص 190 - 196 .