وبين أخته العباسةو بعضهم يقول إن ذلك كان بسبب إطلاق جعفر البرمكي يحيى ابن عبد اللّه العلوي بعد أن أمره الرشيد بحبسهو بعضهم يقول إن استبداد البرامكة بالملك وجمعهم الأموال استمال الناس إليهمو أن ذلك أوغر صدر الرشيد عليهم وحمله على الإيقاع بهم .
أضف إلى ذلك ما أظهره البرامكة من الدالة على الرشيد مما لا تحمله نفوس الملوكو سعاية أعداء البرامكة وبخاصة الفضل بن الربيع بهم عند الرشيد . ومما يدل على تأثير هذه السعايات في نفس الرشيد ما رواه ابن طبا طبا « 1 » عن بختيشوع الطبيب قال : دخلت يوما على الرشيد وهو جالس في قصر الخلد . وكان البرامكة يسكنون بحذائه من الجانب الآخرو بينهم وبينه عرض دجلةفنظر الرشيد فرأى اعتراك الخيول وازدحام الناس على باب يحيى بن خالد فقال : جزى اللّه يحيى خيرا تصدى للأمور وأراحنى من الكد ووفر أوقاتي على اللذة ؛ ثم دخلت عليه بعد أوقات وقد شرع يتغير عليهمفنظر فرأى الخيول كما رآها تلك المرة فقال : استبد يحيى بالأمور دونىفالخلافة على الحقيقة لهو ليس لي منها إلا اسمهافقلت إنه سينكبهم فنكبهم عقيب ذلك » .
ذكر بختيشوع الطبيب أنه بينما كان جالسا في مجلس الرشيد إذ دخل يحيى ابن خالدو كان من عادته أن يدخل بلا إذن . فلما دخل وسلم على الرشيدرد عليه ردا ضعيفا . فعلم يحيى أن الرشيد قد تغير عليه . ثم عبر الرشيد عن استيائه لدخول يحيى البرمكي عليه دون إذن . فقام يحيى ! فقال : يا أمير المؤمنين ! قدمني اللّه إليكو اللّه ما ابتدأت ذلك الساعة وما هو إلا شئ كان قد خصني به أمير المؤمنين ورفع به ذكرىحتى إن كنت لا أدخل وهو في فراشه مجردا حينا وحينا في بعض إزاره . وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب ؛ وإذا قد علمت فإني أكون عنده في الطبقة الثانية من أهل الإذن أو الثالثة إن أمرني سيدي بذلك : فاستحيى الرشيدو كان من أرق الخلفاء وجها وقال :
ما أردت ما تكرهو لكن الناس يتقولون « 1 » .
هامش
( 1 ) الفخري ص 190 .