بعدهم الأتباع وأتباع الأتباع . وظلت الحال كذلك إلى أن انتصر أبو الحسن الأشعري وأتباعه على المعتزلةو اضمحلت أكثر الفرق الإسلامية الأخرىفلم يعد هناك سوى الشيعة وأهل السنةفيقال هذا شيعي وذاك سنىو استمرت هذه التسمية إلى الوقت الحاضر .
وقد مر مذهب أهل السنة بأدوار مختلفة ، وقام الصراع بينهم وبين المعتزلة واصطدم زعماء أهل السنة مع العباسيين أنفسهم . فكان من مبادئ أهل السنة تمسكهم بنصوص الكتاب والسنةو ذهبوا إلى أن الإيمان ليس بحاجة إلى غيرهما . كما ذهبوا إلى القول بأن الاعتماد على النظر والعقل قد يوصل إلى الإلحاد مخالفين بذلك مبادئ المعتزلةمما أدى إلى وقوع ذلك النزاع بين أصحاب المذهبين .
وآية ذلك ما رأيناه في عهد المأمون من وقوع الصراع العيف في مسألة خلق القرآن بين أهل « السنة والجماعة » وبين « المعتزلة » الذين سادت مبادئهم في بلاط الخلفاء وأصبحت الكلمة النافذة في ذلك الوقت .
على أن أهل السنة لم يقصروا كلامهم على الأمور النظريةبل كثيرا ما تعرضوا للمسائل السياسية كمسألة الإمامة . فقد نقم أبو حنيفة على العباسيين سطوتهم وشدتهمو مال إلى العلويين في الفتنة التي قامت بين أبى جعفر المنصور ومحمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم . وقد روى أن المنصور استقدم أبا حنيفة من الكوفة لاتهامه بمناصرة إبراهيم بن عبد اللّه العلوىفظل ببغداد خمسة عشر يوما . ثم دس له السم فمات . كما كان مالك بن أنس يفتى الناس بأنه « ليس على مكره يمين » . ولم تكن هذه الفتوى تعجب العباسيينلأن هذا معناه أن من بايع العباسيين مكرها فله أن يتحلل من بيعتهو له أن يبايع محمدا النفس الزكية .
وقد نهى المنصور مالكا عن التحدث بهذا الحديث ثم ضربه بالسياط لما علم أنه ما زال يحدث به « 1 » .
هامش
( 1 ) أنظر الملحق العاشر .