لم يخلقه ولم يخترعه . وقد قال تعالى
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 1 » فكل ما جعله اللّه قد خلقهكما قال تعالى
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
« 2 » وقال
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
« 3 » واللّه محكم كتابه ومفصلهفهو خالقه ومبتدعه . فاجمع من بحضرتك من القضاة ، وأقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنينو امتحنهم فيما يقولونو اكشفهم عما يعتقدون في خلق اللّه تعالى القرآن وأحداثهو أعلمهم أنى غير مستعين في عمل ؟ ؟ ؟ ولا أثق بمن لا يوثق بدينه » « 4 » .
وقد سار المعتصم على سياسة أخيه المأمون في حمل الناس على القول بخلق القرآنمع أنه لم يكن له حظ من العلم يجعله ذا رأى في هذه المسألة : وإنما كان ينفذ وصية المأمونو زاد عليه في إلحاق الأذى بكل من يعترف بذلك من العلماء وأهل الرأىفأهان أحمد بن حنبل إهانة بالغة وسجنه ، وأصبح كل عالم أو قاض هدفا لخطر الضرب بالسياط والتعذيب إذا لم يأخذ برأي المعتزلة في القول بخلق القرآن .
وكذلك اقتدى الواثق بأبيه المعتصم في انتصاره للمعتزلة . وتشدد في فرض آرائه الدينية على الناس مما أدى إلى إثارة خواطر أهل بغداد . وكان أحمد بن نصر رأس هؤلاء الساخطين الذين أنكروا القول بخلق القرآنو دعوا إلى عزل الواثقلكنه ما لبث أن قبض عليه وعلى أعوانهو سيقوا إلى الخليفة بسامرا قاعدة خلافتهفعقد لهم مجلسا للمناظرةو ناظر الواثق أحمد بن نصر في مسألة خلق القرآنفقال له : يا أحمد ! ما تقول في القرآن ؟ قال : كلام اللّهقال : أمخلوق هو ؟ قال : هو كلام اللّهقال : فما تقول في ربك ؟ أتراه يوم القيامة ؟ قال : يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمرفقال الواثق لمن حولهما تقولون فيه ؟ فقال القاضي عبد الرحمن بن إسحاق وقال غيره : إسقى دمه يا أمير المؤمنينفوافقه الحاضرون إلا ابن أبي دؤاد قاضى القضاةفإنه قال : يا أمير المؤمنين كافر
هامش
( 1 ) سورة يوسف 2 : 2 .
( 2 ) سورة الأنعام 6 : 1 .
( 3 ) سورة هود 11 : 2 .
( 4 ) الطبري ج 10 ص 284 - 285 .