من الاستعداد والقوة ما لم يكن في المدينة المنورة وقالوا له : « ألست تعلم أنك أقل بلاد اللّه فرسا وطعاما وسلاحا وأضعفها رجالا ؟ ألست تعلم أنك تقاتل أشد بلاد اللّه رجالا وأكثرها مالا وسلاحا ؟ . . . فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتى مصر . فو اللّه لا يردك رادفقاتل الرجل بمثل سلاحه وكراعه ورجاله وماله . فصاح حنين بن عبد اللّه : أعوذ باللّه أن تخرج من المدينةو حدثه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : رأيتني في درع حصينة فأولنها المدينة « 1 » » .
لم ير محمد بدا من النزول على رأى القائلين بالبقاء في المدينة على كره منه وأخذ اليأس يدب إلى نفسهو لا سيما بعد أن تبين له ضعف حماسة ذلك الفريق الذي كان يرى الخروج إلى مصر وتثاقله عن نصرته . فلم يطمئن إليهمو رأى أن لا فائدة من الاعتماد عليهمفخطبهم خطبة قال فيها : « يا أيها الناس ؟ إنا قد جمعناكم للقتالو أخذنا عليكم المناقب . وإن هذا العدو منكم قريبو هو في عدد كثيرو النصر من اللّه والأمر بيده . وإنه قد بدا لي أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقبفمن أحب أن يقيم أقامو من أحب أن يظعن ظعن « 2 » » .
وكانت هذه الخطبة مقياسا لمعرفة عدد المخلصين من أنصار محمد النفس الزكية الذين قاربوا مائة ألف أول الأمر . فقد تسلل أكثرهم وبقي هو في شرذمة قليلةقاتل بها عيسى بن موسى وجنده . وقتل محمد بن عبد اللّه واحتز رأسهو أرسل إلى عيسى بن موسى ؛ وكان ذلك يوم الاثنين 14 رمضان سنة 145 ه « 3 » .
هكذا ختم أول فصول هذه المأساة . ولم يبق أمام المنصور إلا القضاء على منافسه الجديد إبراهيم بن عبد اللّه في العراقو كان قد تغلب على البصرة والأهواز وفارسو تفاقم خطرهو كثر عدد جنده حتى بلغ مائة ألف وعرف ذلك الخليفة المنصورفاستعد لدرء خطر إبراهيم أتم استعدادو شمر
هامش
( 1 ) الطبري ج 9 ص 218 .
( 2 ) المصدر نفسه ج 9 ص 219 .
( 3 ) المصدر نفسه ج 9 ص 219 - 220 .