المنصور : وفقك اللّهثم أمره بالقيام والنظر إلى أبى مسلم مقتولا : فقال :
يا أمير المؤمنين : عدّ من هذا اليوم لخلافتك » « 1 » .
ثم خطب المنصور في الناس خطبة قال فيها : « أيها الناس ! لا تخرجوا عن أنس الطاعة إلى وحشة المعصيةو لا تسروا غش الأئمةفإنه لم يسر أحد قط منكرة إلا ظهرت في آثار يده أو فلتات لسانهو أبداها اللّه لإمامه بإعزاز دينه وإعلاء حقّهإنا لن نبخسكم حقوقكمو لن نبخس الذي بادر بإعزاز دينه به وإعلاء حقه بفلجه . إنه من نازعنا هذا القميص أجزرناه خبى هذا الغمد . وإن أبا مسلم بايعنا وبايع الناس لناعلى أنه من نكث بنا فقد أباح دمهثم نكبت بنا فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا . ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه » .
ثم أعطى المنصور الجوائز لقواد أبى مسلم وجنده حتى رضواو رجع أصحابه وهم يقولون : « بعنا مولانا بالدراهم « 2 » » .
ولكن قتل أبى مسلم لم يرض أهل خراسان ولم يرض أنصارهفخرج رجل منهم اسمه سنباذ يطلب الأخذ بثأره : وكان مجوسيا من بعض قرى نيسابورو قد كثر أشياعهو أطاعه كثير من أهل خراسانو بخاصة أهل الجبال « 3 » . فلما بلغ المنصور خير سنباذ أرسل إليه عشرة آلاف فارس أحلوا به الهزيمة . وخرج غير سنباد كثيرون طلبا لثأر أبى مسلمو كان المقنع الخراساني أشدهم خطرا . واعتقد بعضهم أنه حي لم يمتفزعموا أنه « أو شيدر بأمي » بكسر الشين والدال ) أو « أو شيدرما » أحد أعقاب زرادشت ( بفتح الزاي وضم الدال وسكون الشين ) الذي ينتظر المجوس ظهوره كما ينتظر المسلمون ظهور المهدىحتى إن تلك الطوائف لم تعتقد بموت أبى مسلمبل كانوا ينتظرون رجعته ليملأ الأرض عدلاعلى حين حول بعض أشياعه الإمامة إلى ابنته فاطمة « 4 » .
هامش
( 1 ) الطبري ج 9 ص 167 .
( 2 ) الطبري ج 9 ص 313 .
( 3 ) أي الجبال الواقعة جنوبي بحر قزوين أو بحر طبرستانو سمى بذلك لأن طبرستان أشهر البلاد الواقعة عليه .
( 4 ) السيادة العربيةترجمة المؤلف ص 134 .