ونتيجة لهذه الأوضاع ، يمم العديد منهم شطر بيروت ، فأقاموا في ضواحيها منذ عقد الخمسينات ، حتى غدت قرى عديدة في الجنوب والبقاع ، شبه خالية من قاطنيها .
غير أن حالة النزوح هذه ، لم تكن تشكل حالا أفضل من السابق . فالعمال الذين تركوا قراهم ليؤمنوا قوت عيالهم ونفقات دراسة أبنائهم ، باتوا يعيشون في ضواحي بيروت ، في ظروف قاسية .
تمظهرت في بيوت مزدحمة ، بدون تنظيم ، وتعاني من قلة الماء والكهرباء ، فضلا عن الأحياء المحرومة من المجارير والطرق والمستوصفات ، ويسكنها مئات الآلاف من العمال ، فيما التدبير الرسمي والوحيد من قبل الدولة ، هو تخطيط ورسم شوارع متقاربة فقط « 1 » .
3 - 2 الأوضاع السياسية :
كانت الأوضاع السياسية للشيعة ، منذ وجودهم في لبنان وحتى نهاية العهد العثماني ، محكومة بالعلاقة السلبية مع كل العهود والقوى السياسية الحاكمة . فلا هي ذات امتيازات شبيهة بامتيازات أهل الذمة ، ولا هم محسوبون على اللائحة الإسلامية لينالوا حصتهم من امتيازات الدولة . فعدم الاعتراف بالشيعة مذهبا سياسيا منعهم من بناء كيان خاص بهم ، باستثناء مرحلة الحكومات الإقطاعية ، التي لم يكتب لها أن تستمر لتتبلور في وضع سياسي ذاتي « 2 » .
ومع قيام نظام المتصرفية الذي ضم بعض القرى التي يسكن فيها الشيعة ، فإن تخصيص مقعد للشيعة في المجلس الإداري ، وإن شكل اعترافا ضمنيا بالشخصية القانونية للطائفة الشيعية ، إلا أنها بقيت حتى ذلك الوقت مختلطة بنظر العثمانيين ، بكتلة طائفة السنة .
بعد مرحلتي الانتداب والاستقلال ، أفصحت الصيغة اللبنانية عن مسارات التبلور الطائفي الذي سلكته بعد عام 1920 ، الطائفتان الإسلاميتان الكبيرتان ، دون أن يرقى ذلك إلى الشيعة إلا قبيل الحرب الأهلية .
فالشيعة منذ ضم المناطق إلى الجبل ، كانوا لا يزالون يظهرون للرائي في صورة جماعات تتقدم فيها الصفة الإقليمية العشائرية على الصفة الطائفية . وأن هويتهم الطائفية كانت ، على الأصح ، مسبوقة بتوسط المماهاة بإقليم تسيطر عليه مشيخة قبلية تتوج سيطرتها الفروع العائلية . ولم يكن بين جماعتي جبل عامل والبقاع الشمالي إلا وشائج ضامرة . ووسط هذه
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 121 .
( 2 ) حسن غريب ، نحو تاريخ فكري سياسي لشيعة لبنان ، ج 1 ، دارالكنوز الأدبية ، بيروت 2000 ، ص 252 .