يبسطون سيطرتهم على القسم الأوسط منه . ولم يحكم الأمراء المعنيون والشهابيون منطقة البقاع الشمالي ، إلا أن الشيعة في منطقة بعلبك - الهرمل كانوا على علاقة وثيقة بشؤون الإمارة اللبنانية ، بحيث لا يفصل تاريخ هذه المنطقة عن تاريخ لبنان « 1 » .
كان الموارنة في البداية يستوطنون مناطق بشري والبترون وجبيل ، ثم شرعوا بالنزوح جنوبا نحو كسروان ثم قدموا بأعداد كبيرة من الشمال ليستقروا مع الزمن في المناطق الدرزية في الجنوب وفي سواها من الأراضي اللبنانية الحالية « 2 » .
ان هذا التوسع أدى إلى تكوين الموارنة لمجتمعهم الخاص ، بقيادة زعمائهم الروحيين . لكن هذه القيادة لم تصل إلى رجال الدين الموارنة ، إلا بعد أن مرّت بزعمائهم الإقطاعيين « المقدمين » وخصوصا في مناطق الشمال ، وقبل عهد المعنيين . ولم يأفل نجم هؤلاء ليسطع محله نجم رجال الدين ، إلا بعد أن تحولوا في زمن المماليك والعثمانيين ، إلى مجرد جباة للضرائب . علما أن الكهنة يتحدرون بأكثريتهم من أصل قروي « وضيع » ، ما جعلهم أقرب إلى رعيتهم من المقدمين ( الإقطاعيين ) ، وهذا ما أدى فيما بعد ، إلى تفكك في العلاقات بين فلاحي الموارنة وكهنتهم من جهة ، وإقطاعهم من جهة أخرى . وقد تجلى ذلك بوضوح في ثورة طانيوس شاهين ، في منتصف القرن التاسع عشر على سادته الإقطاعيين « 3 » .
لم يفعل الدروز شيئا مغايرا عن الموارنة . إذ فرضت عليهم ظروفهم التاريخية توجها معينا ، ظهر في إنشاء مجتمعهم الخاص والمغلق ، حيث يوجه عقّاله الجهال ، من أجل محافظة الجميع على معتقداتهم واستقلالهم .
لقد كانت الإقطاعية الدرزية متماسكة أشد التماسك مع فلاحيها ، وعلى جانب كبير من التنظيم . زاد من تماسكها التعاون الفعّال بين إقطاعيي الطائفة وعقّالها . وظل هذا التماسك والتنظيم عاملين مهمين في تاريخ الطائفة ، حتى أواخر عهد الإقطاع في لبنان « 4 » .
لم يكن تنظيم الشيعة بعيدا من التنظيمين الماروني والدرزي . فهو عبارة عن مجتمع ديني اكتسب خصائصه الذاتية من تاريخه وعلاقته المضطربة مع الدولة المركزية ، ويحكمه رجال إقطاعيون ، ولا تتعدى علاقاته مع جيرانه من المجتمعات الطوائفية الأخرى ، التحالفات العسكرية
هامش
( 1 ) المرجع نفسه ، ص 13 .
( 2 ) المرجع نفسه ، ص 20 .
( 3 ) عاطف عطية ، الدولة المؤجلة ، مرجع سابق ، ص 16 .
( 4 ) المرجع نفسه ، ص 17 .