يبين اختلاف المؤرخين حول الأسس والمعطيات التي أدت إلى نشوء الطائفية ، أن هذه الظاهرة ليست سطحية ، بل هي ظاهرة اجتماعية عامة ، تؤلف نظاما كاملا ، له أسسه ومرتكزاته في قطاعات المجتمع اللبناني .
فبنظر ناصيف نصّار ، لم تكن الطائفية انعكاسا مباشرا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي نشأت أيام الإقطاعية . بل يمكن القول : بأن الواقع الطائفي سبق ذلك العهد الإقطاعي ، وتحول شيئا فشيئا إلى نظام سياسي اجتماعي ، تلتقي فيه مصالح الإقطاعية مع مصالح رجال الدين « 1 » ، حيث بدأت ملامحه الأساسية تظهر مع نظام المتصرفية ، ثم تكرست مع الدستور في زمن الانتداب .
من هنا وجب التمييز بين الطائفية الدينية ، والطائفية السياسية الإدارية بالرغم من الالتباس بين جوانبهما . فالطوائف الدينية واقع قديم في الشرق الأدنى متصل بالفروق بين الأديان السماوية ، والمهم هو النظر إلى كيفية انعكاس العمل الديني في المجتمع .
فرغم أن نظام المتصرفية جاء نتيجة للأحوال السياسية التي سيطرت طوال عهود الإمارة ، من عهد آل عساف في القرن السادس عشر حتى نهاية العهد الشهابي ، إلا أن هذا الواقع الطائفي قبل عهد المتصرفية ، كان واقع تنافس وتعايش بين زعامات إقطاعية طائفية ، تحاول كل واحدة منها أن تمد سيطرتها فوق أكبر رقعة ممكنة على حساب إيالتي دمشق وطرابلس ، ولم تكن نظاما متماسكا موحدا بشكل دستوري « 2 » .
لم تستعمل عبارة لبنان استعمالا رسميا ، محدد المضمون ، إلا بعد إنشاء المتصرفية اللبنانية ، فالمعنيون حكموا مناطق لبنان الجنوبية ثم توسعوا في غضون القرن السابع عشر حتى شمل حكمهم معظم المناطق الشمالية ، وعرفوا حتى عام 1841 بأمراء الدروز لا بأمراء لبنان ، أما عبارة جبل لبنان ، فكانت تطلق على المناطق التي يسكنها الموارنة في الشمال « 3 » .
لم تكن أراضي المعنيين والشهابيين ، وحدة واضحة الحدود . كان جزؤها الأساسي يتألف من المقاطعات المارونية والدرزية .
ومع أن البقاع لم يكن ، رسميا ، جزءا من الإمارة في الجبل فقد كان الأمراء اللبنانيون
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 105 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 104 .
( 3 ) كمال الصليبي ، تاريخ لبنان الحديث ، مرجع سابق ، ص 12 .