تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
ومن هنا يجب التمييز بالقول : بأن الطائفة وفق هذا المفهوم ، لم تكن لتتخذ هذا الشكل قبل بروزها بشكل قانوني مع المتصرفية ، ثم مع نشأة الدستور اللبناني . فالنظام العثماني الذي كان سائدا قبل ذاك ، قسّم الجماعات إلى عدد من الملل ، لكل منها مكانها الثابت والمحدد في النظام العام ، واستقلاليتها في العديد من الشؤون ، بل في كل الشؤون الاجتماعية . ولكنه لم يكن نظاما طائفيا وإنما آلية لتوزيع السلطة . ويعني ذلك ، أن هذا النظام ، لم يكن ليعكس أي صراع على السلطة وإنما يترجم التوزيع المقبول والمشروع ، لسلطة ذات مفهوم خاص لدورها ووظيفتها . وهذا الوضع كان يمثله نظام الملل العثماني ، ونظام الذمة الإسلامية بشكل عام . ففي هذين النظامين ، لم يكن هناك حقل سياسي عمومي ، ولم تكن المشاركة الشعبية في السياسة قيمة إيجابية بالنسبة للدولة ذاتها ، وإنما كانت المشاركة مقتصرة على الطبقة الحاكمة بصرف النظر عن الوسيلة التي وصلت بها إلى السلطة . كانت السياسة تعني بالنسبة للجميع قيام الحاكم بواجبه بنفسه ، وبمساعدة الكتبة والمحترفين الآخرين . بمعنى آخر ، لم يكن مفهوم الحق السياسي قائما . وكانت الممارسة الطائفية الوحيدة الممكنة هي التنافس بين النخب المنبثقة عن جماعات قومية أو دينية متميزة ، والمكونة للنخب الحاكمة داخل الدولة على تقاسم النفوذ ، والمواقع والحظوة لدى السلطان ، وكان السلطان يستفيد من ذلك لتجديد نخبته وتأمين أكبر الولاء للدولة « 1 » . وفي ضوء هذا المعيار ، نجد أن الطائفية ليست مرتبطة بوجود العصبيات ، أو التمايزات الدينية أو الثقافية . كما أنها ليست من مخلفات الماضي والتاريخ ، لا في صورته كوعي متأخر ، ولا في بنية المجتمع المتعدد النحل والطوائف . بل إنها تتعلق بنظام إنتاج السلطة أو نمط إنتاجها في المجتمع الحديث « 2 » . إذن يجب التمييز بين الطائفية الدينية والطائفية السياسية ، لأن الطوائف الدينية واقع قديم في تاريخ الشرق الأدنى ، متصل مباشرة بالفروق بين الأديان السماوية ، وبالانقسامات داخل كل دين . والطوائف تعبر عن كيفية انعكاس العامل الديني في حياة المجتمع التي تسرب إليها وانتشر ، ولذلك نجدها مرتبطة أشد الارتباط ، بالأوضاع السياسية لتلك المجتمعات « 3 » .
هامش
( 1 ) برهان غليون ، نظام الطائفية : من الدولة إلى القبيلة ، المركز الثقافي العربي ، بيروت 1990 ، ص 32 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 44 . ( 3 ) ناصيف نصار ، نحو مجتمع جديد ، مرجع سابق ، ص 104 .