حجة الوداع ، في منطقة غدير خم ، كان قد حصل عام 1946 في مسجد الأمير يونس الحرفوشي في مدينة بعلبك ، ووجه الاحتفاء بها باستغراب شديد من الشيعة القاطنين في المدينة لعدم تعودهم ذلك . وكل ما في الأمر ، أن التعبير عن الانتماء للطائفة كان يتم من خلال التفاخر بإظهار الحب والولاء للإمام علي وزوجته وولديه الإمامين الحسن والحسين . هذا في حين أن الولاء لعلي في منطقة العشائر كان يدخل في تفاصيل الحياة اليومية القائمة على العنف . فالإمام علي لدى العشائر هو رمز للبطولة والشجاعة والجرأة ويستنجد به حين الملّمات .
ولم يكن حال المرأة أفضل من ذلك ، إذ لم يتسن لها الاطلاع على أي من أمور الدين ، لعدم السماح لها بالخروج إلى المسجد أو تلقي المعارف الدينية في الكتاتيب التي كانت تدرّس القرآن الكريم . ورغم شيوع ظاهرة الستر والحجاب لدى المرأة ، إلا أن ذلك لم يكن يعبر عن الالتزام بتعاليم الدين ، بقدر ما كان يعبر عن كونه يشكل إحدى مفردات القيم لدى العشائر والعائلات ، التي تعرض مخالفتها لمسؤولية الجزاء الاجتماعي . وبينما كانت الكثيرات من النسوة لم يعرفن كيفية أداء الصلاة اليومية ، كان الحال أفضل لدى النساء اللواتي انتمين إلى السادة على غرار عائلات مرتضى ، عثمان ، والموسوي . أما مرد ذلك فهو الإحساس بالقيمة التي يشكلها هذا الانتماء ، والتي تقتضي السير على نهج وتعاليم الأئمة من جهة ، وتأثرا برجالاتهم السادة الذين كانوا قد تلقوا العلوم الدينية . فالسيد علوان مرتضى كان قاضيا في محكمة بعلبك في زمن الانتداب ، وسبقه في هذه المهمة القاضي حسين مرتضى في زمن الإمارة الحرفوشية ، كما أن عددا من سيّاد آل المرتضى كانوا قد عمدوا إلى إدارة مرقد السيدة خولة ابنة الإمام الحسين في بعلبك ، فيما مارس السيد حسن عثمان العائد من النجف الأشرف ، تأثيرا كبيرا بين أفراد عائلته من الرجال والنساء في آن معا .
وبالاستناد إلى ما تقدم ، فإن الشكل التنظيمي للطائفة في منتصف السبعينات سوف يطرح أمامها إشكالية رفع مستوى الوعي الديني ، التزاما بما ورد في ميثاقها بأنها حركة تقوم على أسس إيمانية .
ولتأدية هذه المهمة ، استفاد الإمام الصدر من رجال الدين الذين انخرطوا في إطار المجلس الشيعي الأعلى على غرار الشيخ سليمان اليحفوفي ، والسيد منير مرتضى ، والشيخ خليل شقير ، والمبلغين العائدين حديثا من النجف الأشرف كالشيخ حسين عبيد ، والسيد حسن نصر الله ،
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً ) — صفحة 294
مساهمون: غسان فوزى طه
ص٢٩٤