هذه المحدودية في وجود رجال الدين ، فقد مارس هؤلاء دورهم في تعليم الصلاة وبعض أحكام العبادة ، دون أن يرقى ذلك إلى دمج الدين بالسياسية ، أو يؤدي إلى تشكيل مرجعية قيادية تتصدى لما تعصف به المنطقة من أحداث .
لكن العلاقة بين زعامة القرابة ورجال الدين ، فقد أرسيت على قاعدة من الود والاحترام .
فالشيخ حبيب آل إبراهيم ، احتفظ بعلاقة جيدة مع زعماء العشائر ووجهاء العائلات على غرار صبري حمادة ، وفضل الله دندش ، وتوفيق حيدر . إلا أن استمرار هذه العلاقة كان مقرونا بدوام اقتصار مهمة رجل الدين على ممارسة أفعال الصلاة وإعطاء بعض الإرشادات الدينية دون التدخل في السياسة . وللإشارة على سبيل المثال ، أن هؤلاء الزعماء كانوا يترددون إلى منزل الشيخ حبيب ، ولكن ما أن عمد إلى توسيع نشاطه عبر فتح مدرسة في بلدة اللبوة المحاذية لوجود السكن العشائري ، حتى ثار زعيم عشيرة المولى منتقدا تعليم الفلاحين ، مما يعني أن هذه العلاقة قد أرسيت على قاعدة الود والحذر من زعامة العائلة والعشيرة في آن معا « 1 » .
هذا رغم أن دور الشيخ حبيب آل إبراهيم كان قد اتسع فيما بعد بسبب تجواله بين القرى وإنشائه لمدرسة الهدى في كل من مدينة بعلبك واللبوة ، مما أسفر عن استقطاب عدد من الأطفال لتلقّي علوم الدين إلى جانب العلوم العصرية ، كان قد استطاع بفضل حلقات التدريس التي كان يعقدها على الدوام في مسجد الحي الذي سمي باسمه في بعلبك ، أن يكوّن نواة من الرجال المتوسطي الأعمار الذين عرفوا فيما بعد بأنهم من طلابه ، إذ كان يشار إليهم بالبنان كدلالة على ندرة المتدينين المعروفين بإطلاقهم للّحى ومعرفتهم ببعض أمور الإفتاء ، والتعاليم الخاصة بالمذهب « 2 » .
وكان هذا موضوع تندّر مردّه شيوع الجهل بأحكام الدين . فالصلاة تكاد تقتصر على كبار المعمرين ، ولم تكن معروفة بين الجيل الشاب . والرحلة إلى مكة لأداء فريضة الحج لم تكن قد وصلت في عهده إلى أكثر من 25 فردا من المتقدمين في السن ، فيما أسماء أئمة الشيعة ، والأحداث المهمة في تاريخ الطائفة ، كانت غائبة بشكل كامل . فالإحياء الأول لواقعة عيد الغدير ، المعروفة لدى الشيعة بأن النبي محمدا قد ولىّ فيها الإمام علي بن أبي طالب خليفة له عقب عودته من
هامش
( 1 ) مقابلة مع الشيخ جعفر المهاجر ، مصدر سابق .
( 2 ) الشيخ حبيب آل إبراهيم ، حياته ، مؤلفاته ، مرجع سابق ، ص 22 .