تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
ومع هذه المحدودية في تلاوة مجالس العزاء ، ثمة مظاهر طقوسية كانت سائدة تقوم على منظومة من الالتزامات ، قوامها الامتناع عن سلوكات تتنافى مع الطبيعة المأساوية للمناسبة ، وأخرى تؤكد الارتباط بشهيد كربلاء ، كالامتناع عن الزواج في أيام عاشوراء ، وعن إقامة الأعراس والمظاهر الاحتفالية ، ويصل ذلك إلى الاستنكاف عن التنظيف والاستحمام وارتداء الملابس الجديدة ، وصنع الحلويات وشراء أي جديد . مهما يكن من أمر ، فإن هذه المظاهر الطقوسية لعاشوراء ، وإن كانت تعبّر عن حالة من الوفاء الممزوج بالأسف والحزن ، إلا أنها لم تكن لترتقي بالمناسبة لإنتاج خطاب يخرجها من تاريخيتها ، إلى الواقع السياسي لإسقاطها عليه . لقد بقيت عاشوراء ، تعبّر عن نفسها كحادثة في التاريخ يجري تكرارها لدى الوحدات القرابية وفقا لقواعد ثابتة ، قوامها الاستذكار المشحون بعاطفة الحزن ، دون أن يتعدى ذلك إلى التأثير في إشكالية السلطة أو النظام السياسي . فحتى بداية الانتداب ، لم يكن قد طرأ على الطريقة الإحيائية لعاشوراء تغيير جوهري ، وإنما ثمة إضافات جديدة حلّت بعد انهيار السلطة العثمانية . فدولة الانتداب لم تكن في وارد منعها لعدم ترتيب أي أثر سياسي عليها . والجديد ، كان بفعل مجيء الشيخ حبيب آل إبراهيم إلى بعلبك ، حيث عهد لأحد المؤمنين ويدعى الشيخ محمد علي علاء الدين ، بتلاوة السيرة الحسينية في مسجد النهر بمدينة بعلبك . وقد كان يعمد إلى تأديتها بصوت حزين ثم الدوران بعد الانتهاء بين المصلين ، ملوحا بمنديل أبيض كإشارة معبّرة عن الحداد . لم يكن الشيخ علاء الدين وحده يقوم بالقراءة ، وإنما كان الشيخ حبيب يتولى القراءة بنفسه ، عندما كان يشعر بأن قراءة سلفه يشوبها في بعض الأحيان ، النقص والافتقار إلى ربط الأحداث ببعضها البعض . أما الحضور فقد كان يقتصر على المعمرين كبار السن ، في حين أن فئة الشباب كانت غائبة بشكل كبير . وفي الهرمل ، لم يكن الأمر مختلفا . فالشيخ موسى شرارة ، كان قد سار على خطى الشيخ حبيب ، في حين استمر أبناء الشيخ حسين زغيب بإقامة المناسبة عبر التلاوة في بلدة يونين . لقد أولت حركة أمل منذ بداية نشوئها ، اهتماما كبيرا بالشعيرة الحسينية ، وذلك لما تمثله من أهمية في وجدان الشيعة من جهة ، ولكون الخطاب السياسي للحركة قد ارتكز في الكثير من