فالدور الذي رسمه الصدر لنفسه ، بدا مغايرا عما درج عليه أسلافه من علماء الدين ، وبدت معالم هذا التمايز واضحة من خلال تصديه للعمل السياسي .
فمنذ وصوله إلى لبنان ، بدأت ملامح رؤيته لدور زعامة الطائفة ، تتجلى مع بداية عمله من خلال البرامج الاجتماعية والخدماتية والتربوية واستقطاب المثقفين ورجال الدين ، فبرز كقائد ديني يسعى إلى فهم قضايا الناس وحاجاتهم . لقد تخطى مهام أئمة المساجد التقليدية في التربية الأخلاقية ، وفي الوعظ والإرشاد الديني ، منطلقا في العمل نحو تربية الإنسان المؤمن بدينه ووطنه « 1 » ، ثم بناء المؤسسات التي جعلت الطائفة الشيعية تتميز بموقع في التركيبة اللبنانية .
وليس من شك ، أن الدور الذي رسمه الصدر لنفسه ، كزعامة جديدة دخلت العمل السياسي بخلفية دينية قوامها الفهم الجديد للنص الفقهي للطائفة الشيعية ، جعل من زعامته حقلا جديدا مفتوحا على النقاش والنقد الشديد ، بعد ما بدا هذا الدور منافسا للزعامة العائلية والحزبية ، وكذلك لدور المبلغين وعلماء الدين الذين وجد بعضهم غرابة في تحول مهام رجل الدين إلى أحضان السياسة ، مع ما يشوب العمل فيها من أساليب تبعد من يمارسها عن الورع والتزام جادة الصواب .
فرجال الدين سواء المتحالفين مع الزعامات العائلية ، أو من فضل منهم الابتعاد عن كل ما يتعلق بالشأن السياسي ، لم يجدوا بدا من اتهامه بالانحراف وتشويه صورة رجل الدين .
وإزاء حالة الانتقاد الشديد لهذا الدور ، كان لابد للإمام الصدر من السعي لتوضيح فهمه لدور رجل الدين ولمفهومه للعمل السياسي ، حيث أوضح أن عمله السياسي هو جزء من دوره الديني ، وأن هذا الدور لا يحدده أحد ، وإنما هو محدد من الله . واتخذ مواقف صارمة ضد العلمنة التي دعت إليها الأحزاب اللبنانية اليسارية ، إذ وجد فيها نوعا من العمل على إبعاد سلطان الله عن مختلف شؤون الحياة ، ودعوة إلى فصل الأديان والمذاهب عن توجيه السياسة العامة .
وفي مواجهة خصومه يقول السيد الصدر : إنني رجل دين ملتزم ، والالتزام الديني ليس صفة تجريدية تنفصل عن الممارسات المعيشية ، بل إن الإيمان غيبي يحدد موقع الإنسان من الكون ويصنع الإرادة والأمل والثقة والطموح والعزوف عن الاهتمام بشؤون الناس غير ممكن ، بل إن
هامش
( 1 ) أ . ر . نورثون ، أمل والشيعة ، مرجع سابق ، ص 81 .