من المحازبين ، فإن هذه النخبة لم تتوان عن القيام بدورها ، ولو عن طريق تأمين حالة من الالتفاف والتأييد حول مشروعها القاضي بتقويض ركائز السلطة التي استندت على بنية طائفية ، شكّلت النقيض للمتخيل الذهني للإيديولوجيا الحزبية .
وقد قامت هذه النخب في سبيل تحقيق ذلك ، بمجموعة من الأدوار النضالية تمثلّت بالدعوات للالتفاف حولها . ولو من غير موقع الانتماء للبنية التنظيمية - عبر توزيع المنشورات المتضمّنة للخطب الحماسية الداعية إلى الانخراط في الصراع ، وعبر توزيع السلاح ، أو الاتصال المباشر مع زعماء العائلات والعشائر ، وهو ما أشرنا إليه في الفصل الأول من الباب الثاني ، حيث تبدى لنا انخراط بعض الأفراد في عملية الصراع الدائر ، ولكنه سرعان ما أفصح عن غلبة الولاءات القرابية عبر العودة إلى أحضان العائلة والعشيرة .
ولتبيان الأسباب التي كانت تؤدي إلى هذا الإحجام ، نجد أن طبيعة الإحساس بتناقض الانتماء لا تكفي لكي تفقد الدعوات النضالية للنخبة الحزبية مضامينها أو تجردها من تأثيراتها .
فالإحساس بالانتماء وحده ، غير كاف في تبيان الحالة التعارضية ، وإنما يجب أن يعقبه إظهار الولاء لهذا الانتماء ، ولا يكون هذا الولاء إلا من خلال السلوكات القرابية التي يجسدها الأفراد في الميدان السياسي « 1 » . ففي الميدان السياسي ، يشعر الفرد بأهمية دوره في الحفاظ على العائلة أو العشيرة ، حتى ولو انسجمت رؤيتها مع الرؤى الحزبية في إطار الصراع الدائر على هوية السلطة ، فكيف إذا تعارض الأمر معها ؟
فبالرغم من استجابة العديد من الأفراد إلى الانتماءات الحزبية ، فإننا نجد الكثير من عمليات التنقل بين تنظيم حزبي وآخر ، كتعبير عن الافتقاد إلى الشعور بالولاء الجاد والالتزام الحزبي الفعلي ، وكتعبير عن الاستناد على الإيديولوجيا كجسر للعبور إلى ميدان السلطة فيسهل التخلي عنها حين انسداد باب الرهان عليها .
ففي النصف الأول من القرن العشرين ، راجت ظاهرة « القفزانية » الحزبية عندما كانت الأحزاب ما تزال في طور التأليف . فقد انتقل محمد عباس ياغي وشفيق مرتضى من الأحزاب ذات الصبغة القومية ( عصبة العمل القومي ) إلى حزب النجادة ( إسلامي ) ثم الحزب التقدمي
هامش
( 1 ) إدمومد ليتش ، كلود ليفى شتراوس ، « البنيوية ومشروعها الانتربولوجي » ، ترجمة ثائر غريب ، ( د . ط ) 1985 ، ص 133 .