الإيجابية ، لا يعبر عن حالة الانتماء المجرد من المعاني والدلالات ، بل يبدو أعمق من ذلك بكثير .
فمعرفة الجد سواء كان حقيقيا أو وهميا ، يؤدي إلى تزويد أفراد العصبية بمثال أو نموذج يميزها عن غيرها ، ويجعلها حاضرة بين الجماعات القرابية ، إذ تتجسد كافة القيم في أشخاص هم أجدادها الذين يعطونها كيانها وقيمها التي لا تنفصل عن الذات الفردية والجماعية لابن العائلة أو العشيرة .
فمعرفة تاريخ العائلة أو العشيرة والارتباط بالجذور الأساسية لنشأتها وتحدّرها ، يشكل نوعا من الإحساس بالهوية والانتماء . فنحن والحال كذلك ، أمام حالة متنوعة من الارتباطات بهذه الجذور ، فليس ثمة قرابة دموية واحدة . ولذلك فإن المصطلحات القرابية بوصفها لغة منطوقة ، تعبر عن أنظمة القرابة البيولوجية بكونها تعني الانتماء إلى نسب معين ، وتتناول كيفية الارتباط بين الأفراد بوصفهم أقرباء .
وكما تشير المصطلحات القرابية لدى العشائر الحمادية ، فإن ابن العشيرة يعتبر أنه يرتبط مع غيره من أبناء العشائر الأخرى ، برابط النسب المشترك مع الجد البعيد « حمادة المؤسس » . ثم يتدرج هذا النسب من خلال استخدام مصطلح ابن العم الذي يعبر عن كون هؤلاء الأفراد تحكمهم روابط القرابة الدموية المباشرة ، بوصفهم تحدروا من أبناء الجد الأساسي .
ولكن هذا المصطلح يميل إلى التكثيف كلما اقترب من خط النسب المباشر الذي يوزع هذه القرابة بين العامودين الشمصي والزعيتري الذين انضوت تحتهما مجموعة العشائر ، وهو يصبح أكثر حضورا عندما يصل إلى الجد القريب ، وهو الجد الذي اكتسبت من خلاله العشيرة اسمها .
فالعشائر كلها حمادية لناحية النسب . ولكن حين التمييز بين عشيرة وأخرى ، نجد أن معيار الانتماء يصبح أكثر حضورا مع القرابة الدموية المباشرة للجد القريب ، كعشيرة ناصر الدين أو دندش أو غيرها من العشائر ، فهي سميت بذلك نسبة إلى الجد المتحدّر من العمودين الشمصي والزعيتري . وعلى هذا الأساس ، يصبح الانتماء للعشيرة شاملا للأفراد المتحدرين من الجد القريب . فمن تربطهم علاقة نسب مباشرة فهم ينسبون أنفسهم إليها من خلال عبارات القرابة التي تعبر عن هذا الانتماء . فعندما ينسب ابن العشيرة نفسه يشير دوما إلى هذا الجد ، وينادي أقرباءه من غير الإخوة بأبناء العم .
وخلافا للعشيرة ، فإن منطوق الكلام لدى أفراد العائلة يكاد يقتصر على الجد القريب أي
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً ) — صفحة 254
مساهمون: غسان فوزى طه
ص٢٥٤