عنها من خلال الفوارق العائدة إلى كون العصبية ذات منشأ طبيعي ، فيما الإيديولوجيا طارئة استحدثت من قبل روادها ، لكي تجعل من الفرد واعيا بذاته ، معتزا بانتمائه للجماعة ، ومهيئا لتقبّل قيمها واختياراتها وأهدافها ، ولكي تصبح محورا نضاليا تسمح للأفراد بتجاوز العصبيات القبلية والطائفية والمذهبية ، وتوحدهم من خلال الانشداد إلى مشروع موحّد .
وعلى هذا الأساس ، فإن سعينا إلى دراسة الخطاب المتعلق بالإيديولوجيا ، يجعلنا لا ندرس الإيديولوجيا نفسها بهدف الكشف عما فيها من الآراء والمبادئ والأفكار ، بقدر ما نهدف إلى الإحاطة بطبيعة الدلالات المستوحاة من الخطاب الإيديولوجي ، مما يجعلنا نقف على كيفية تصليب الذات الجماعية للأفراد ، واكتسابهم التمايز الناتج عن حمل مبادئها وأهدافها .
لكننا قبل الشروع في ذلك ، وتجنبا للوقوع في بعض الالتباسات الناشئة عن استعمالنا لهذا المصطلح ( أي الإيديولوجيا ) ، نرى لزاما توضيح المقصود منه ، نظرا لوجود مشكلة أساسية بين الباحثين ناتجة عن سعة مدلوله وتنوع استعمالاته . وقد حصل نوع من التضارب المستمر بين تصورين متباينين للإيديولوجيا ، أولهما تصور موسّع يجعل الإيديولوجيا تشمل كل النتاجات الثقافية والرمزية في المجتمع ، وهو ما يمكن أن يعد المعنى الموسع للإيديولوجيا . وأما التصور الثاني ، فهو يقصر مصطلح الإيديولوجيا على الظواهر السياسية ، والعمليات والمؤسسات السياسية ، أي على الأفكار والتصورات المتعلقة بالحكم والسلطة وتوجيه المجتمع « 1 » .
وما نقصده نحن بالإيديولوجيا ليس معناها الموسّع ، وإنما المعنى الثاني الذي يمكن أن يدخل في إطار استعمالات علم الاجتماع السياسي .
وبذلك تكون الأحزاب هي واحدة من المؤسسات التي تحمل هذه التمثلات والأفكار المتعلقة بالسلطة وبالعمل السياسي ، ويمكن أن نصنفها ضمن المؤسسات التي تحمل كل منها إيديولوجيا خاصة بها .
وعلى هذا الأساس ، تصبح الدعوات الوطنية والقومية والاشتراكية إيديولوجيات تشكل الإطار المرجعي لأفرادها ، وتهدف إلى إكساب هوية مشتركة ومميزة عن الآخرين ، فتتوجه إليهم كخطاب داخلي هدفه التأطير المشترك وإيجاد اللحمة قبل أن تكون موجهة للخارج .
هامش
( 1 ) محمد سبيلا ، الإيديولوجيا - نحو نظرة تكاملية ، المركز الثقافي العربي ، بيروت 1992 ، ص 14 .