المعقدة والمتداخلة بين هذه الدوائر .
ليس من شك ، أن مقاربة الخطاب من منطلق الوظيفة والدور ، يمكن أن يقربنا من آراء بعض علماء الاجتماع والأنتربولوجيا . فعلى سبيل المثال نجد أن رادكليف براون حرص على التمييز بين مفهومي الوظيفة والغرض ، إذ اعتبر أن الناس لا يشعرون في العادة بالدور الذي يلعبه أي نظام من نظمهم الاجتماعية في المحافظة على استمرار المجتمع ، أي أنهم لا يدركون دائما الوظيفة الاجتماعية لهذا النظام ، لكنهم يدركون أنه يحقق غرضا معينا غالبا ما يختلف عن الوظيفة .
ويطلق براون على ذلك اسم الغرض الظاهر أو البادىء ، للتمييز بينه وبين الغرض الحقيقي الذي يؤلف على أية حال « العلة الأخيرة » لقيام الظاهرة « 1 » ، وهي النصاب السلطوي العام .
فنحن على هذه الحال ، أمام جماعات منظمة ، تسعى إلى تشكيل إطار لممارسة دورها السياسي في المجتمع . ولا بد من أن يرافق هذا السعي خلق مناخات من الانتماءات والولاءات المتنوعة ، التي تختلف عن الانتماءات القائمة على قرابة الدم وقرابة الدين أو المذهب .
2 . مضمون الخطاب السياسي :
يعتبر الحزب أداة لتشكيل هوية ذاتية لمجموعة من الأفراد لما يطرحه من أفكار ورؤى .
وبطبيعة الحال ، فقد هدفت النشأة الحزبية المعاصرة إلى حيازة السلطة أو المشاركة فيها تمهيدا لتطبيق أفكارها ومبادئها .
وهذه الأفكار والتصورات التطبيقية في مجالات السلطة ، يمكن أن نعبر عنها بالإيديولوجيا .
فالإيديولوجيا تستخدم للدلالة على المسلّمات الفكرية التي ينطلق منها الفرد ليحدد هويته الاجتماعية ، والتي على أساسها يصار إلى الفصل بين المجموعة التي ينتمي إليها والمجموعات الأخرى . وتعبر عن الإطار الفكري العام الذي يحدد تصور الذات وتصور الآخرين « 2 » . وهذه الإيديولوجيا تمثل إحدى المرتكزات التي تقوم عليها الحركات الحزبية كرابطة تجمع أفرادها في إطار جماعي ، بحيث يتماثلون فيما بينهم ، ويعملون معا لتحقيق الأهداف التي رسمتها لهم منذ البداية ، ومزودين بها كهوية وهم منصهرون في بوتقة واحدة تشعرهم بقوة الانتماء للمجموعة ، وهي تشبه العصبية في العشيرة التي تقوم بوظيفة حفظ التماسك بين أفرادها . إلا أنها تختلف
هامش
( 1 ) أحمد أبو زيد ، البناء الاجتماعي ، الدار القومية ، القاهرة ، ( د . ت ) ، ج 1 ، ص 96 .
( 2 ) فؤاد اسحق الخوري ، إمامة الشهيد وإمامة البطل : التنظيم الديني للطوائف والأقليات في العالم العربي ، مركز الجامعة للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت 1988 ، ص 123 .