تمهيد :
أسعفتنا الفصول السابقة من الباب الثاني على توضيح طبيعة العلاقات بين الوحدات القرابية من جهة ، وبين كل من الحزب والطائفة من جهة أخرى .
ففي ضوء رصدنا لآلية العمل السياسي خلال مواكبتنا لعملية انبناء السلطة والنفوذ ، تبين لنا استقلالية الدور السياسي لعلاقات القرابة بإزاء دور الحركات الحزبية . لقد تجلّى هذا تحديدا من خلال مبادرة العائلة والعشيرة إلى تحديد مواقفها في قبولها ورفضها لما هو سائد من تحولات في أشكال انبناء سلطة الدولة ورسم علاقاتها معها ، استنادا إلى موقعها القرابي . وهو الأمر نفسه الذي ظهر خلال التنافس على مقاعد البرلمان في المراحل الانتخابية التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية ليتحول بعدها نحو الطائفة .
لقد اقتصرنا في دراستنا لهذه العلاقة بين الوحدات القرابية والحزب على المجال السياسي ، كمجال للمنافسة والاستقطاب وللحصول على مواقع النفوذ والبرلمان ، وعلى تأكيد الحضور في المسرح السياسي الذي رافق المنعطفات السياسية التي مرّ بها لبنان . لذا لم نكن قد أحطنا بشكل شمولي وكلي بطبيعة هذه العلاقة أو نفذنا إلى عمقها . فلم نصل إلى جوهر الأسباب الكامنة وراء غلبة دور القرابة بإزاء الدور الذي لعبته الحركات الحزبية . فكان لا بد لنا من المزيد في التعمق بكنه هذه العلاقة التناقضية .
لقد وجدنا أن التوجه إلى دراسة الخطاب السياسي المتصل بهذه العلاقة يؤدي إلى إغناء عملية التحليل ، لذا فإن الوقوف على طبيعة هذا الخطاب ومضمونه وعلى الوظيفة التي يؤديها ، يقتضي بطبيعة الحال ، المزيد من الوضوح في تحديد دوره وطبيعة توظيفه في توليد اللحمة والاستقطاب ، ومدى نجاحه أو فشله في تبديل الانتماءات والولاءات التي تقوم على أساس قرابة الدم .