آل الأسعد وعسيران في الجنوب وآل حماده في بعلبك - الهرمل . ولم يكن هؤلاء يدافعون تلقائيا عن مصالح البرجوازية في البرلمان والوزارة والإدارة فحسب ، بل إنهم كانوا مدفوعين إلى ذلك بالريع السياسي الذي كانوا يتقاضونه لقاء ذاك الدور ، وليس أقله تمويل رجال الأعمال لمعاركهم الانتخابية « 1 » .
وعلى هذا الأساس ، غابت المطالب التنموية على حساب الانقسامات السائدة . وبدل أن يؤدي غياب المطالب هذه إلى توفير الإمكانية لانفكاك عرى الارتباط بين الوحدات القرابية وممثليها في المجالس النيابية ، بدا الأمر عكس ذلك ، حيث كان يزداد هذا الارتباط ، بفعل طبيعة التمثيل السياسي . فمن خلال فحص هذا الواقع ، يزودنا المجتمع الطائفي - العائلي ، المتعايش مع علاقات رأسمالية تجارية وخدماتية ، بأدوات هامة . ففي مجال العلاقات السياسية ، ينتج المجتمع التقليدي قيم الرابطة الشخصية والكرم والشجاعة والبطولة ، بينما تنتج العلاقات الرأسمالية فكرتي الخدمة والوساطة . وداخل هذا النظام ، يتم تبادل الخدمات بين الزعيم وأتباعه عبر الوسيط الذي يعبر عنه بالمفتاح الانتخابي « 2 » .
فقيم الشجاعة والبطولة والخدمة ، كانت تجد أحد تجسداتها عبر الارتباط بين الزعيم الحمادي والعشائر خصوصا في مراحل الاصطدام مع السلطة .
فخلال منتصف الأربعينات ، عندما لجأت الدولة إلى محاولة فرض هيبتها في منطقة العشائر ، كان هناك الكثير من المطلوبين من أبناء هذه المنطقة - بسبب الصدامات مع الجيش عام 1948 ، وبفعل عمليات الثأر التي كانت لا تزال هي السائدة آنذاك - محكومين وفارين من وجه العدالة بموجب مذكرات إلقاء القبض والتوقيف . وكان المطلوبون من فئات مختلفة ، منهم من كان محكوما بأحكام قضائية مبرمة ، وأخرى قابلة لطرق المراجعة ، وآخرون مطلوبون بموجب مذكرات أصبح بعضها غير ذي موضوع إما لمرور الزمن على القضايا الصادرة بموجبها ، أو لانتفاء الغرض منها . واقتضى الأمر وضع عدد من العسكريين في منازل المطلوبين وعمليات دهم مباغتة . وكان على الأهالي تأمين المأكل والمشرب لهم والعلف لخيلهم ، وغالبا ما كان يؤدي ذلك إلى إثارة حميتهم إزاء غرباء يحلّون في منازلهم في غياب رب الأسرة ، وكونه يخالف أبسط تقاليد
هامش
( 1 ) فواز طرابلسي ، التكوّن الطبقي للسلطة السياسية بعد الحرب ، مجلة أبعاد ، مرجع سابق ، ص 84 .
( 2 ) رشيد شقير ، مفاهيم الدولة والنزاعات ، المركز الثقافي العربي ، بيروت 1981 ، ص 219 .