العشيرة ، والغيرة على العيال . إن هذه الإجراءات التي ميزت مرحلة ما بعد الاستقلال ، اقتضت إحلال التضامن بين أفراد العائلة والعشيرة خلف الزعامة الحمادية كضمانة لشعورها بالأمن والحماية . فالزعيم الحمادي ، حليف قوي يتمتع بالنفوذ داخل السلطة ولدوام احتفاظه بهذا الموقع في أكثر من دورة انتخابية . لقد كان يعمد زعماء العشائر والعائلات الذين طال هذا التدبير أقرباءهم ، إلى زيارته في منزله لطلب تخليتهم . وسرعان ما كان يستجيب للأمر بفعل إبقاء أواصر هذا التحالف ، فكثرت مراجعاته للسلطة التنفيذية ، حتى أنه وصل في بعض الأحيان إلى التهديد بالاستقالة من منصبه بحال عدم إلغاء التدابير التعسفية وترويع النساء والأطفال ، فكان له ما أراد إذ تراجعت السلطة عن هذه التدابير « 1 » .
بيد أن هذه الرابطة التي حكمت علاقة الزعامة الحمادية بالعشائر والعائلات الأخرى ، لم تكن لتقتصر على توفير الحماية لها ، وإنما اتصلت أيضا ومعها سائر المواقع العائلية التي تبوأت المقعد النيابي ، ببعض الخدمات للمتحالفين معها . وغالبا ما كانت تدور هذه الخدمات حول التوظيف في بعض المرافق العامة للدولة ، كالجيش والدرك ، وشرطة البلدية ، وبعض الدوائر العامة في المنطقة . فالطريق إلى التوظيف حتى ولو كان الموظف حاجبا في البلدية أو بوابا في إحدى المدارس الرسمية ، كان يمر عبر التوسط بين زعيم العشيرة ، أو الوجيه في العائلة مع النائب ، والأولوية في هذا المجال كانت لأفراد الوحدة القرابية التي ينتمي إليها النائب ، ثم للوحدات القرابية التي ارتبطت معه بالتحالف قبل وصوله إلى سدة البرلمان .
ولم يقتصر هذا الأمر ، على الوحدات القرابية الموجودة في سائر القرى والأرياف ، وإنما تعداها إلى الأسر التي نزحت إلى ضواحي بيروت . فالابتعاد عن القرية لم ينه دورها في الارتباط بنوابها ؛ ولم يكن هذا الانتقال ليعبر عن الانسلاخ الكلي عن المجتمع الريفي . فبقاء الضواحي تعيش تحت وطأة الحرمان ، وشعور النازحين الذين باتوا يعيشون في أحياء مغلقة على نفسها ، ومشابهة لتوزعاتها في القرية ، كان يؤدي إلى عدم الاندماج مع المجتمع البيروتي . وبنتيجة الإحساس بالدونية لدى الساكنين في تجمعات وغرف تعلوها سقوف من الصفيح ، بمقابل المباني الضخمة لسكان العاصمة ، أدى كل ذلك إلى ازدياد الارتباط بزعاماتها . فسرعان ما كانت تنتقل الأسر إلى قراها في الباصات خلال المواسم الانتخابية لتنتخب ممثليها كتعبير عن الإحساس
هامش
( 1 ) أحمد زين الدين ، صفحات من حياة الرئيس صبري حمادة ، مرجع سابق ، ص 243 .