اللبناني في السوق العالمية ، والمنافسة الضخمة من قبل المنتجات الزراعية المستوردة من البلدان الرأسمالية المهيمنة ، والتي تعتبر تكاليف إنتاجها أقل ارتفاعا بكثير من التكاليف المحلية ، مما أدى إلى تراجع للعديد من الزراعات « 1 » .
غير أن الازدهار الذي رافق بعض القطاعات الإنتاجية للبنان منذ الاستقلال وحتى الستينات ، لم يترك تأثيراته على منطقة بعلبك - الهرمل التي لم تكن تحظى إذ ذاك بقطاعات خدماتية منتجة ، فلا وجود للمصارف فيها ، والسياحة باستثناء مدينة بعلبك ، تكاد تكون معدمة . كما أن التجارة بقيت متخلفة عن مثيلاتها ، لارتباطها بحركة التصنيع التي بقيت تقتصر على الصناعات الصغيرة المعدّة للاستهلاك ، كالصناعات الخشبية ، والحديد العربي ، وجلود الأغنام ، وحياكة الصوف ، والألبسة اليدوية ، في حين أن تجارة الفحم كانت قد توقفت بعد الانفصال الجمركي بين سوريا ولبنان عام 1951 التي نشطت بعدها عمليات تهريبه إلى المناطق السورية عبر الجرود . وما لبثت أن توقفت نهائيا مع مطلع الستينات ، مما فرض على العاملين فيها التحول نحو قطاعات أخرى بهدف تعويض ما كانت تؤمنه هذه الصناعة ، خصوصا عند أصحاب الملكيات الصغيرة ، فوجدتها في الانفتاح على تربية الماعز ، وزراعة الحشيشة ، وتربية النحل ، التي سرعان ما اندثرت بسبب الافتقار إلى الخبرة الناتجة عن عدم وجود الإرشادات ، والأدوية لمكافحة الأمراض ، وانعدام المراعي المناسبة لها في المناطق الجردية « 2 » . وأما في المناطق السهلية ، فحيث لا توجد مثل هذه الأنشطة ، بقيت زراعات الحبوب والخضار والفواكه هي السائدة دون أن تشهد تطورا ، بسبب النقص في التمويل ، وتقلّص المساحات المروية ، وتفتت الملكية الناتج عن عمليات التوريث ، واستخدام الأدوات التقليدية في حراثة الأرض والري ، كالمحراث الخشبي ، والمسحاة المستخدمة في توزيع المساكب ، والمنجل اليدوي في الحصاد ، ونقلها عبر عربات البغال إلى المنازل بهدف التخزين . وهي لم تكن لدى العائلات الصغيرة لتفيض عن حاجاتها الغذائية ، أو تتخطى توفير المؤنة لفصل الشتاء . وبنتيجة تردي أوضاع الزراعة ، اندفع العديد من القاطنين في المناطق الجردية ، وفي أحياء الهرمل ، وبعض القرى في السلسلتين الشرقية والغربية من السهل ، إلى النزوح باتجاه ضواحي بيروت ، على شكل جماعات أسرية ، حتى أصبحت بعض القرى
هامش
( 1 ) سليم نصر وكلود دوبار ، الطبقات الاجتماعية في لبنان ، مرجع سابق ، ص 109 .
( 2 ) د . حبيب محفوظ ، تاريخ الهرمل ، مرجع سابق ، ص 47 .