تمثلت بالتطور السريع للقطاع المالي التجاري ، بعد ما أصبح لبنان مرتبطا تماما بالدوائر التجارية والمالية التي تصل بين البلدان الرأسمالية المتقدمة ، والشرقين العربيين الأدنى والأوسط . كما اكتسبت الصناعة في الفترة الواقعة بين عامي 1945 - 1950 ، المكانة والبنية اللتين لا تزالان تميزانها حتى اليوم .
ففيما يتعلق بالقطاع المالي - التجاري المعروف بقطاع الخدمات ، كانت الحصّة تزداد تدريجيا من إجمالي الناتج الداخلي اللبناني ، لتصل إلى 62 عام 1960 ، بما يشكل بلا ريب أعلى النسب المئوية في العالم « 1 » .
وفيما كان القطاع الصناعي قد حافظ على وتيرته دون إحداث تغيير جوهري على حصته من الناتج القومي ، الذي بلغ حوالي 14 في تلك الفترة ، ورغم أن ذلك نتج عن طبيعة اندماج الاقتصاد اللبناني في السوق الرأسمالية العالمية ، والدور المسيطر للقطاع المالي التجاري ، بسبب الإغراء الدائم الذي تمارسه النشاطات التجارية ذات معدل الربح العالي والمجازفة الأقل « 2 » ، كانت الزراعة تمثل القطاع الأكثر تراجعا على هذا الصعيد .
فلقد تمثلت الحقبة الممتدة بين الاستقلال وعام 1959 ، بغياب الدولة على صعيد البنى الزراعية . ترافق هذا الغياب مع الصعوبات المرتبطة بضرورة تأمين الأسواق لمحاصيل القطاع الزراعي الحديث ، وبضيق آفاق تدخلها في مجال تنمية الزراعة ، وهي الحصة الملحوظة لها في الموازنة العامة للدولة . فقراءة الموازنات المتعاقبة للدولة على امتداد الخمسينات ، تؤكد أنها ترصد أساسا وحصرا بهدف تأمين عجلة الإدارة ، وضمان تجهيزها الأساسي المادي والبشري ، الذي كان يرتبط غالبا بمقتضيات توسع القطاعات المهيمنة في الاقتصاد اللبناني ( سياحة - تجارة - نقل ) . فموازنة الزراعة ، لم تحصل على أكثر من 5 ، 4 % من موازنة 1951 ، و 2 ، 7 % عام 1954 ، و 2 ، 2 % عام 1959 ، وذلك في بلد يعيش نصف سكانه مباشرة وغير مباشرة من الزراعة « 3 » .
وبنتيجة ذلك ، تراجعت حصة هذا القطاع من 20 % من الناتج القومي إلى 12 % منه حتى مطلع عهد الستينات . وترافق هذا الأمر مع تغيّرات بنيوية أخرى ، نتجت عن تأثير اندماج الاقتصاد
هامش
( 1 ) سليم نصر وكلود دوبار ، الطبقات الاجتماعية في لبنان ، مرجع سابق ، ص 79 .
( 2 ) المرجع نفسه ، ص 90 .
( 3 ) أحمد بعلبكي ، الزراعة اللبنانية وتدخلات الدولة في الأرياف من الاستقلال إلى الحرب الأهلية ، منشورات عويدات ، بيروت 1985 ، ص 117 .