الهرمل بقيت بعيدة كل البعد عن التحولات التي أصابت الجبل ، وأدت إلى بروز نمط جديد من العلاقات الاقتصادية ، حيث كانت السمة العامة للوضع الاقتصادي في المناطق الموحدة في إطار الدولة اللبنانية متميزة بوضوح . في الجبل ملكية صغيرة تتفتت باستمرار ، وفي الأطراف ملكية واسعة وكبيرة تحت سيطرة أبناء العصبيات القرابية الذين كانوا يمتلكون قرى بأكملها « 1 » ، والذين استفادوا من التحول العقاري في ظل الانتداب عام 1926 ، حيث باعت الدولة المنتدبة حق ملكية ( الرقبة ) للمتصرفين بالأرض الأميرية . كما استفادوا من القرار الصادر عن المفوض السامي بونسو عام 1930 ، ليسجلوا بأسمائهم الأراضي الخصبة « 2 » . أما الملكيات الجردية ، فلم تتغير عما كانت عليه في العهد العثماني . كما لم تتغير أشكال المزارعة حيث بقيت المناطق الجردية بأيدي العصبيات ، لأن المراعي الجردية كان قد تم تسجيلها بأسمائهم كملكيات خاصة ، أو ملكيات تصرّف بموجب قانون الأراضي العثماني الذي شرّع السيطرة على هذه المراعي ، بموجب إحدى مواده التي تنص على أن المراعي التي يحصد حشيشها قديما ويؤخذ عشر محصولها ، تكون مثل الأراضي الزراعية ، ويمكن التصرف بها بموجب الطابو وينتفع متصرفها ، ويقدر أن يمنع غيره من الانتفاع بها ، مما أدى إلى انتزاع صفة المراعي عنها وإسقاط مشاعيتها « 3 » .
لم تنتج الإدارة الانتدابية ، لا بل لم ترغب في خلق الملكية الصغيرة في الريف ، فاستمر نظام الإقطاع هناك ، الشكل البارز لسيطرة الملكية العقارية الكبيرة على الأرض . وبقيت 78 % من ملكيات سهل البقاع حتى عام 1925 ، ذات طابع مشترك بين أفراد عائلة واحدة ، دون أن تتجزأ تلك الملكيات الكبيرة « 4 » .
ففي الهرمل وحدها بلغت مساحة الأملاك الخاصة 34933906 متر مربع وزعت على 36230 أسرة بمعدل 9600 متر مربع للأسرة الواحدة « 5 » .
فبالاستناد إلى قوانين الملكية هذه ، تكون السلطات الانتدابية قد وفّرت غطاء شرعيا وقانونيا
هامش
( 1 ) سليم نصر وكلود دوبار ، الطبقات الاجتماعية في لبنان ، مرجع سابق ، ص 45 .
( 2 ) عبد الله حنا ، الحركات الفلاحية في سوريا ولبنان ، مرجع سابق ، ص 36 .
( 3 ) عبد الله سعيد ، أشكال الملكية الزراعية وأنواع الأرض في متصرفية جبل لبنان وسهل البقاع ، مرجع سابق ، ص 150 .
( 4 ) د . مسعود ضاهر ، تاريخ لبنان الاجتماعي : 1914 - 1926 ، مرجع سابق ، ص 217 .
( 5 ) مصطفى طه ، تاريخ الهرمل ، مرجع سابق ، ص 158 .