إلا أن التدخل المباشر للسلطة الانتدابية ساهم في عجز الزعامة الحمادية عن إعادة إنتاج نفسها ، بسبب إلغاء الانتداب للدور الذي كانت تقوم به هذه العصبيات واستبدال الجهاز العسكري للعصبيات بجهاز آخر قوامه الدرك والجيش ، بعد أن تم إنشاء محكمة في الهرمل لمقاضاة المخالفين ، وخصوصا بعد ما فرضت الضرائب على هذه العصبيات أسوة بغيرها من أهالي المنطقة « 1 » .
وبعد أن أصبح لكل عشيرة زعامتها وجيشها الخاص ، وتعمل تحت إطار مجلس عشائري بزعامة حسن طعان ، برزت تطورات ميدانية دفعت هذا التشكيل الجديد إلى سلوك المهادنة مع السلطات الانتدابية التي نجحت في منع إقامة تعاون فعلي بين العشائر والثوار من سوريا ومناطق لبنانية عدة في طرابلس والجبل ، مما أدى إلى عدم القدرة على مدّ الثورة بالسلاح والذخائر مما جعلها تعاني من الضعف والارتباك في خوض المواجهة « 2 » .
من جهة أخرى كان صبري حمادة الذي دخل البرلمان للمرة الأولى عام 1925 يعارض من أخذ ينادي بفصل المنطقة عن لبنان خصوصا توفيق هولو حيدر ، فراح يقصد قرى بعلبك والهرمل قرية قرية ، لاستنفار الوحدات القرابية من خلال جمع التواقيع في عرائض تؤكد وقوفهم إلى جانب الكيان اللبناني ويحثهم على عدم الانخراط في الثورة « 3 » .
وفي محاولة لإنجاح دور الزعامة الحمادية ، عمدت السلطات الانتدابية إلى استخدام أساليب الترغيب والترهيب مع العشائر ، فرغبت إلى صبري حمادة بترتيب مفاوضات للاستسلام .
يتضح من هذا الأمر ، التأكيد على أهمية الدور الذي لعبه صبري حمادة في هذا المجال إذ كان المفوض السامي الفرنسي دوجفنييل قد صرح بأن الزعيم الحمادي يوفر على فرنسا خمسين ألف جندي « 4 » .
كذلك يورد سعيد العاص في كتاب الأيام الحمرا أسباب استسلام الثوار إلى ألاموال والوعود التي أغدقت ، فضلا عن النفوذ الكبير للزعامة الحمادية . فلولا هذه الزعامة المتناقضة في مواقفها مع العشائر لاتسعت الثورة خارج جرود الهرمل على امتداد الجبل الغربي حتى مدينة زحلة « 5 » .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 209 .
( 2 ) محمد شيا وأخرون ، الحركات الجماهيرية في الوطن العربي ، مرجع سابق ، ص 369 .
( 3 ) أحمد زين الدين ، صفحات من تاريخ الرئيس صبري حمادة ، مرجع سابق ، ص 71 .
( 4 ) مهيب حمادة ، تاريخ علاقة البقاعيين بالسوريين ، مرجع سابق ، ص 251 - 252 .
( 5 ) المرجع نفسه ، ص 227 .