مبدأ العقد ما بين سلطة مركزية وسلطة محلية ، على غرار سلطة العصبيات الجردية « 1 » قبيل الانتداب .
وعلى أساس ذلك اجتمع ممثلو العشائر بجرود الهرمل بدعوة من عبد علي سعدون وزين مرعي جعفر « 2 » ، وخاضت العشائر معركتها ضد الفرنسيين في وادي فيسان .
وقيد لها النجاح بعد مقتل تسعة ضباط فرنسيين وأسر البعض الآخر وقد كان من بين المعتقلين القائمقام سعد الله حمادة الذي كان مشاركا إلى جانب الفرنسيين « 3 » . بعدها اجتمعت العشائر لتشكل جيشها تحت اسم جيش أمير المؤمنين في أيار 1926 ، بعد ما أقرت بتشكيل زعامة جديدة مناوئة للزعامة الحمادية تمثلت بحسن طعان دندش ، وقررت أن يكون لكل عشيرة قوتها العسكرية الخاصة المرتبطة بقيادتها العامة المنتخبة عن طريق الأكثرية « 4 » .
ورغم ارتباط هذا الحلف بزعامة عامة تحت إمرة حسن طعان دندش إلا أنه غدا لكل عشيرة زعيمها الخاص الذي تلتف حوله ، والذي أصبح يمثل عنصر توحيدها الاجتماعي والسياسي ، وبات يمتلك الصلاحيات في قمع أفراد عشيرته وتوفير الحماية لها من خلال صلاحيات الطرد والعزل التي لم يكن ليستقل بها في العصبية الموسعة « 5 » .
أما الأسباب التي أدت إلى هذا الانفصال وتبنيها للخيارات العروبية فترجع إلى شعور العشائر بعجز المشيخة التي اعتراها الوهن وبدأت تفقد أحد مرتكزاتها ، وهي قوتها وقدرتها الذاتية على تحقيق التوازن بالغلبة .
فمع الانتداب سرعان ما تغير الموقع الذي كانت تحتله العشائر الحمادية أثناء الحكم العثماني ، حين كانت تقوم بوظيفة الجهاز العسكري أو القمعي التابع لزعامة الباشا في منطقة الهرمل ، حيث تولت قمع المخالفات ، وجباية الضرائب العينية المفروضة على أهالي المنطقة .
وكانت العصبيات التي تشكل هذا الجهاز معفاة من الضرائب ، وهذا ما جعل الزعامة الحمادية تحافظ على دعم العصبيات الجردية لها ، لأن دورها كان قد لبى الحاجات الأساسية التي سعت إليها وهي الاستقلال عن التدخل المباشر لجهاز سلطة الدولة المركزية ، ومن هنا كانت هذه الزعامة تستمد شرعيتها وسلطتها على سائر العصبيات الحمادية .
هامش
( 1 ) وجيه كوثراني ، بلاد الشام ، مرجع سابق ، ص 248 .
( 2 ) مهيب حمادة ، تاريخ علاقة البقاعيين بالسوريين ، مرجع سابق ، ص 225 .
( 3 ) علي مصطفى طه ، لمحات من تاريخ واحة الصيادين في الهرمل ، مرجع سابق ، ص 140 .
( 4 ) فؤاد خليل ، التشكل العشائري في الهرمل ، مجلة الاجتهاد شتاء 1993 أو كتابة العشيرة دولة المجتمع المحلي .
( 5 ) المرجع نفسه .