أ . موقف الحيادرة :
لم نعثر على مواقف صريحة للحيادرة إلا حين بروز معطيات جديدة ، تجلّت بانسداد باب الرهان على رجال « تركيا الفتاة » من قبل الإصلاحين ، مع التحول في الخط السياسي للاتحاديين نحو التعبئة « الشوفينية » التركية والعنصرية « الطورانية » . الأمر الذي جعل العمل التنظيمي المشترك مع الأتراك أمرا صعبا ومستحيلا ، مما دفع نحو مبادرات عربية مستقلة تقدم برامج تتضمن المطالبة بحقوق العرب وتتمسك « بالعثمانية » في وجه سياسة « التتريك » . لقد تجلّى ذلك في مطالب جمعية « العربية الفتاة » ، التي كان على رأس المبادرين فيها محمد رستم حيدر ، وسعيد حيدر الذي تبنى خيار نيل حقوق العرب ضمن وحدة الدولة العثمانية ، دون أن يدفع الحيادرة إلى الارتماء في أحضان أوروبا . برزت هذه المواقف قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى حيث عمد سعيد حيدر إلى إجراء مصالحة مع الأتراك ، بعد ما وضع مشروع اتفاق تضمن بعض النقاط التي نصّت على إجراء بعض التعديل في الحدود الشمالية لسوريا ، وتنظيم جبهة مشتركة ضد الدول الغربية من معان إلى البحر الأسود . وبحال أسفرت الجهود المبذولة عن نصر ضد الغرب ، فإن العرب والأتراك يعيشون جنبا إلى جنب ، كل ضمن دولة مستقلة « 1 » .
وإلى جانب المطالب التي حملها الحيادرة الذين انضووا في « جمعية العربية الفتاة » ، عمد رئيس بلدية بعلبك صالح حيدر - الذي انتسب إلى « جمعية اللامركزية الإدارية » - إلى تبني المطالب الإصلاحية . وبنتيجة نشاطه البارز في الجمعية ، عدّه الأتراك ناشطا خطرا ضد الدولة العثمانية وبين أكبر المساعدين على إيجاد التفرقة بين العرب والأتراك ، مما جعل السلطات التركية تقدم على تنفيذ حكم الإعدام به « 2 » .
غير أن عدم وفاء جمعية الاتحاد والترقي بتعهداتها للعرب في تنفيذ المبادئ الإصلاحية ، التي سبق أن وافقوا عليها نتيجة اختلاف الساسة الأتراك فيما بينهم ، دفع زعيم الجب الآخر للحيادرة أسعد حيدر ، إلى تبني الخيارات الكيانية التي تطالب بانضمام البقاع إلى جبل لبنان ، على قاعدة التحالف مع نخلة المطران الذي كان على علاقة وطيدة بالفرنسيين . ففي الرسالة التي كان قد وجهها نخلة المطران إلى القنصل الفرنسي في دمشق عام 1913 ، تتضح لدينا تلك
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 203 .
( 2 ) حسين صلح ، تجليات الوعي القومي في بعلبك ، ( 1908 - 1920 ) ، ( د . ط ) 2003 ، ص 135 .